الرجل إن هرب فليس له ملجأ إلا مكة ، فحولوا بينه وبينها . ثم أرسل عيسى إلى محمد يدعوه إلى
السمع والطاعة لأمير المؤمنين المنصور ، وأنه قد أعطاه الأمان له ولأهل بيته إن هو أجابه . فقال محمد
للرسول : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك . ثم بعث إلى عيسى بن موسى يقول له : إني أدعوك إلى كتاب
الله وسنة رسوله ، فاحذر أن تمتنع فأقتلك فتكون شر قتيل ، أو تقتلني فتكون قتلت من دعاك إلى الله
ورسوله . ثم جعلت الرسل تتردد بينهما ثلاثة أيام . هذا يدعو هذا ، وهذا يدعو هذا . وجعل عيسى بن
موسى يقف في كل يوم من هذه الأيام الثلاثة على الثنية عند سلع فينادي : يا أهل المدينة إن دماءكم
علينا حرام فمن جاءنا فوقف تحت رايتنا فهو آمن ، ومن خرج من المدينة فهو آمن ، ومن دخل داره فهو
آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، فليس لنا في قتالكم أرب ، وإنما نريد محمدا وحده لنذهب به إلى
الخليفة . فجعلوا يسبونه وينالون من أمه ، ويكلمونه بكلام شنيع ، ويخاطبونه مخاطبة فظيعة ، وقالوا
له : هذا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا ونحن معه ، نقاتل دونه .
فلما كان اليوم الثالث أتاهم في خيل ورجال وسلاح ورماح لم ير مثلها ، فناداه يا محمد ! إن أمير
المؤمنين أمرني أن لا أقاتلك حتى أدعوك إلى الطاعة ، فإن فعلت أمنك وقضى دينك وأعطاك أموالا
وأراضي ، وإن أبيت قاتلتك فقد دعوتك غير مرة . فناداه محمد : إن ليس لكم عندي إلا القتال .
فنشبت الحرب حينئذ بينهم ، وكان جيش عيسى بن موسى فوق أربعة آلاف ، وعلى مقدمته حميد بن
قحطبة ، وعلى ميمنته محمد بن السفاح ، وعلى ميسرته داود بن كرار ، وعلى الساقة الهيثم بن شعبة ،
ومعهم عدد لم ير مثلها . وفرق عيسى أصحابه في كل قطر طائفة . وكان محمد وأصحابه على عدة
أصحاب أهل بدر ، واقتتل الفريقان قتالا شديدا جدا ، وترجل محمد إلى الأرض فيقال إنه قتل بيده
من جيش عيسى بن موسى سبعين رجلا من أبطالهم ، وأحاط بهم أهل العراق فقتلوا طائفة من
أصحاب محمد بن عبد الله بن حسن ، فاقتحموا عليهم الخندق الذي كانوا حفروه وعملوا أبوابا على
قدره ، وقيل إنهم ردموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه ، وقد يكونون فعلوا هذا موضع منه ،
وهذا في موضع آخر والله أعلم .
ولم تزل الحرب ناشبة بينهم حتى صليت العصر . فلما صلى محمد العصر نزلوا إلى مسيل الوادي
بسلع فكسر جفن سيفه وعقر فرسه وفعل أصحابه مثله وصبروا أنفسهم للقتال وحميت الحرب حينئذ
جدا ، فاستظهر أهل العراق ، ورفعوا راية سوداء فوق سلع ، ثم دنوا إلى المدينة فدخلوها ونصبوا راية
سوداء فوق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا : أخذت المدينة ، وهربوا وبقي محمد في شرذمة قليلة جدا
ثم بقي وحده وليس معه أحد ، وفي يده سيف صلت يضرب به من تقدم إليه ، فكان لا يقوم له شئ
إلا أنامه ، حتى قتل خلقا من أهل العراق من الشجعان ، ويقال إنه كان في يده يومئذ ذو الفقار ثم
تكاثر عليه الناس فتقدم إليه رجل فضربه بسيفه تحت شحمة أذنه اليمنى فسقط لركبتيه وجعل يحمي
البداية والنهاية — صفحة 95
مساهمون: ابن كثير
ص٩٥