أشهر ، وامتنع أن يدخل بيت قرابته أو يدخل بيتا هم فيه أو ينتفع بشئ مما هم فيه لأجل قبولهم أموال
السلطان .
وكان مسير أحمد إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومائتين ، ثم مكث إلى سنة وفاته وكل يوم إلا
ويسأل عنه المتوكل ويوفد إليه في أمور يشاوره فيها ، ويستشيره في أشياء تقع له . ولما قدم المتوكل بغداد
بعث إليه ابن خاقان ومعه ألف دينار ليفرقها على من يرى ، فامتنع من قبولها وتفرقتها ، وقال : إن أمير
المؤمنين قد أعفاني مما أكره فردها . وكتب رجل رقعة إلى المتوكل يقول : يا أمير المؤمنين إن أحمد يشتم
آباءك ويرميهم بالزندقة . فكتب فيها المتوكل : أما المأمون فإنه خلط فسلط الناس على نفسه ، وأما أبي
المعتصم فإنه كان رجل حرب ولم يكن له بصر بالكلام ، وأما أخي الواثق فإنه استحق ما قيل فيه . ثم
أمر أن يضرب الرجل الذي رفع إليه الرقعة مائتي سوط ، فأخذه عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم
فضربه خمسمائة سوط . فقال له الخليفة : لم ضربته خمسمائة سوط ؟ فقال : مائتين لطاعتك ومائتين
لطاعة الله ، ومائة لكونه قذف هذا الشيخ الرجل الصالح أحمد بن حنبل .
وقد كتب الخليفة إلى أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤال استرشاد واستفادة لا سؤال تعنت
ولا امتحان ولا عناد . فكتب إليه أحمد رحمه الله رسالة حسنة فيها آثار عن الصحابة وغيرهم ،
وأحاديث مرفوعة . وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها ، وهي مروية عنه ، وقد نقلها غير واحد
من الحفاظ .
وفاة الإمام أحمد بن حنبل
قال ابنه صالح : كان مرضه في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين ، ودخلت
عليه يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف ، فقلت : يا أبت ما كان
غداؤك ؟ فقال : ماء الباقلا . ثم إن صالحا ذكر كثرة مجئ الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته
وكثرة حرج الناس عليه ، وكان معه خريقة فيها قطيعات ينفق على نفسه منها ، وقد أمر ولده عبد الله أن
يطالب سكان ملكه وأن يكفر عنه كفارة يمين ، فأخذ شيئا من الأجرة فاشترى تمرا وكفر عن أبيه ،
وفضل من ذلك ثلاثة دراهم . وكتب الإمام أحمد وصيته :
( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل ، أوصى أنه يشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله
ولو كره المشركون . وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين ، وأن يحمدوه في
الحامدين ، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين ، وأوصي أني قد رضيت الله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد
نبيا ، وأوصي لعبد لله بن محمد المعروف ببوران ( 1 ) علي نحوا من خمسين دينارا وهو مصدق فيها فيقضي
هامش
( 1 ) في المنهج الأحمد 1 / 94 : فوران .