فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله ، وقال : إنه لا يمكن ردها على الخليفة . وكتب الخليفة لأهله
وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم ، فمانع أبو عبد الله الخليفة ، فقال الخليفة : لا بد من ذلك ،
وما هذا إلا لولدك . فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته ثم أخذ يلوم أهله وعمه ، وقال لهم : إنما بقي لنا
أيام قلائل ، وكأننا قد نزل بنا الموت ، فإما إلى جنة وإما إلى نار ، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت
من مال هؤلاء . في كلام طويل يعظهم به . فاحتجوا عليه بالحديث الصحيح " ما جاءك من هذا المال
وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه " . وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان . فقال : وما
هذا وذاك سواء ، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال .
ولما استمر ضعفه جعل المتوكل يبعث إليه بابن ماسويه المتطبب لينظر في مرضه ، فرجع إليه
فقال : يا أمير المؤمنين إن أحمد ليس به علة في بدنه ، وإنما علته من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة .
فسكت المتوكل ثم سألت أم الخليفة منه أن ترى الإمام أحمد ، فبعث المتوكل إليه يسأله أن يجتمع بابنه
المعتز ويدعو له ، وليكن في حجره . فتمنع من ذلك ثم أجاب إليه رجاء أن يعجل برجوعه إلى أهله
ببغداد . وبعث الخليفة إليه بخلعة سنية ومركوب من مراكبه ، فامتنع من ركوبه لأنه عليه ميثرة نمور ،
فجئ ببغل لبعض التجار فركبه وجاء إلى مجلس المعتز ، وقد جلس الخليفة وأمه في ناحية في ذلك
المجلس ، من وراء ستر رقيق . فلما جاء أحمد قال : سلام عليكم . وجلس ولم يسلم عليه بالامرة ،
فقالت أم الخليفة : الله الله يا بني في هذا الرجل ترده إلى أهله ، فإن هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه .
وحين رأى المتوكل أحمد قال لامه : يا أمه قد تأنست الدار . وجاء الخادم ومعه خلعة سنية مبطنة وثوب
وقلنسوة وطيلسان ، فألبسها أحمد بيده ، وأحمد لا يتحرك بالكلية . قال الإمام أحمد : ولما جلست إلى
المعتز قال مؤدبه : أصلح الله الأمير هذا الذي أمر الخليفة أن يكون مؤدبك . فقال : إن علمني شيئا
تعلمته ، قال أحمد : فتعجبت من ذكائه في صغره لأنه كان صغيرا جدا فخرج أحمد عنهم وهو يستغفر
الله ويستعيذ بالله من مقته وغضبه .
ثم بعد أيام أذن له الخليفة بالانصراف وهيأ له حزاقة فلم يقبل أن ينحدر فيها ، بل ركب في
زورق فدخل بغداد مختفيا ، وأمر أن تباع تلك الخلعة وأن يتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين .
وجعل أياما يتألم من اجتماعه بهم ويقول : سلمت منهم طول عمري ثم ابتليت بهم في آخره . وكان قد
جاع عندهم جوعا عظيما كثيرا حتى كاد أن يقتله الجوع . وقد قال بعض الأمراء للمتوكل : إن أحمد لا يأكل لك
طعاما ، ولا يشرب لك شرابا ، ولا يجلس على فرشك ، ويحرم ما تشربه . فقال : والله لو نشر
المعتصم وكلمني في أحمد ما قبلت منه . وجعلت رسل الخليفة تفد إليه في كل يوم تستعلم أخباره وكيف
حاله . وجعل يستفتيه في أموال ابن أبي دؤاد فلا يجيب بشئ ، ثم إن المتوكل أخرج ابن أبي دؤاد من سر
من رأى إلى بغداد بعد أن أشهد عليه نفسه ببيع ضياعه وأملاكه وأخذ أمواله كلها . قال عبد الله بن
أحمد : وحين رجع أبي من سامرا وجدنا عينيه قد دخلتا في موقيه ، وما رجعت إليه نفسه إلا بعد ستة
البداية والنهاية — صفحة 373
مساهمون: ابن كثير
ص٣٧٣