فقال المأمون : أحسنت يا أمير المؤمنين حقا . فرمى العود من حجره ووثب قائما فزعا من هذا
الكلام ، فقال له المأمون : اجلس واسكن مرحبا بك وأهلا ، لم يكن ذلك لشئ تتوهمه ، ووالله لا
رأيت طول أيام شيئا تكرهه . ثم أمر له بعشرة آلاف دينار وخلع عليه ، ثم أمر له برد جميع ما كان له
من الأموال والضياع والدور فردت إليه ، وخرج من عنده مكرما معظما .
عرس بوران
وفي رمضان منها بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل ، وقيل إنه خرج في رمضان إلى معسكر
الحسن بن سهل بفم الصلح ، وكان الحسن قد عوفي من مرضه ، فنزل المأمون عنده بمن معه من وجوه
الأمراء والرؤساء وأكابر بني هاشم ، فدخل ببوران في شوال من هذه السنة في ليلة عظيمة وقد أشعلت
بين يديه شموع العنبر ، ونثر على رأسه الدر والجوهر ، فوق حصر منسوجة بالذهب الأحمر . وكان عدد
الجوهر منه ألف درة ، فأمر به فجمع في صينية من ذهب كان الجوهر فيها فقالوا : يا أمير المؤمنين إنا
نثرناه لتتلقطه الجواري ، فقال : لا أنا أعوضهن من ذلك . فجمع كله ، فلما جاءت العروس ومعها
جدتها [ أم الفضل و ] ( 1 ) زبيدة أم أخيه الأمين - من جملة من جاء معها - فأجلست إلى جانبه فصب في
حجرها ذلك الجوهر وقال : هذا نحلة مني إليك وسلي حاجتك ، فأطرقت حياء . فقالت جدتها :
كلمي سيدك وسليه حاجتك فقد أمرك . فقالت : يا أمير المؤمنين أسألك أن ترضى عن عمك
إبراهيم بن المهدي ، وأن ترده إلى منزلته التي كان فيها ، فقال : نعم ! قالت : وأم جعفر - تعني زبيدة -
تأذن لها في الحج . قال : نعم ! فخلعت عليها زبيدة بذلتها الأميرية ( 2 ) وأطلقت له قرية مقورة . وأما
والد العروس الحسن بن سهل فإنه كتب أسماء قراه وضياعه وأملاكه في رقاع ونثرها على الأمراء ووجوه
الناس ، فمن وقعت بيده رقعة في قرية منها بعث إلى القرية التي فيها نوابه فسلمها إليه ملكا خالصا .
وأنفق على المأمون ومن كان معه من الجيش في مدة إقامته عنده سبعة عشر يوما ما يعادل خمسين ألف
ألف درهم . ولما أراد المأمون الانصراف من عنده أطلق له عشرة آلاف ألف درهم ، وأقطعه البلد
الذي هو نازل بها ، وهو إقليم فم الصلح ( 3 ) مضافا إلى ما بيده من الاقطاعات . ورجع المأمون إلى
بغداد في أواخر شوال من هذه السنة . وفي هذه السنة ركب عبد الله بن طاهر إلى مصر فاستنقذها بأمر
المأمون من يد عبيد الله بن السري بن الحكم المتغلب عليها ، واستعادها منه بعد حروب يطول
ذكرها . وفيها توفي من الأعيان أبو عمرو الشيباني اللغوي واسمه إسحاق بن مرار . ومروان بن محمد
الطاطري ( 4 ) . ويحيى بن إسحاق والله سبحانه أعلم .
هامش
( 1 ) من ابن الأثير 6 / 395 ، وقد سقطت من الأصل فجاء المعنى مختلفا .
( 2 ) في الطبري : الأموية ، وفي ابن الأثير 6 / 395 : اللؤلؤية الأموية .
( 3 ) فم الصلح : نهر كبير ، يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة ، وقيل : بلدة على دجلة قريبة من واسط .
( 4 ) الطاطري : لقب من يبيع ثياب الكرابيس بدمشق ، وهو أبو بكر الدمشقي كان إماما ثقة متقنا صالحا خاشعا .