وكان أحمد بن حنبل يدعو له في صلاته نحوا من أربعين سنة ، وكان أحمد يقول في الحديث
الذي رواه أبو داود من طريق عبد الله بن وهب ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن شراحيل بن يزيد ، عن
أبي علقمة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها
أمر دينها " ( 1 ) . قال فعمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى ، والشافعي على رأس المائة الثانية . وقال
أبو داود الطيالسي : حدثنا جعفر بن سليمان عن نصر بن معبد الكندي - أو العبدي - عن الجارود عن
أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض
علما ، اللهم إنك إذ أذقت أولها عذابا ووبالا فأذق آخرها نوالا " . وهذا غريب من هذا الوجه ، وقد
رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ( 2 ) . قال أبو نعيم عبد الملك بن محمد
الأسفراييني : لا ينطبق هذا إلا على محمد بن إدريس الشافعي . حكاه الخطيب . وقال يحيى بن معين
عن الشافعي : هو صدوق لا بأس به . وقال مرة : لو كان الكذب له مباحا مطلقا لكانت مروءته تمنعه
أن يكذب . وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول : الشافعي فقيه البدن ، صدوق اللسان . وحكى
بعضهم عن أبي زرعة أنه قال : ما عند الشافعي حديث غلط فيه . وحكى عن أبي داود نحوه .
وقال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة - وقد سئل هل سنة لم تبلغ الشافعي ؟ - فقال : لا .
ومعنى هذا أنها تارة تبلغه بسندها ، وتارة مرسلة ، وتارة منقطعة كما هو الموجود في كتبه والله أعلم .
وقال حرملة : سمعت الشافعي يقول : سميت ببغداد ناصر السنة . وقال أبو ثور : ما رأينا مثل
الشافعي ولا هو رأى مثل نفسه . وكذا قال الزعفراني وغيره . وقال داود بن علي الظاهري في كتاب
جمعه في فضائل الشافعي : للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره ، من شرف نسبه ، وصحة دينه
ومعتقده ، وسخاوة نفسه ، ومعرفته بصحة الحديث وسقمه وناسخه ومنسوخه ، وحفظه الكتاب
والسنة وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف ، وجودة الأصحاب والتلامذة ، مثل أحمد بن حنبل في زهده
وورعه ، وإقامته على السنة . ثم سرد أعيان أصحابه من البغاددة والمصريين ، وكذا عد أبو داود من
جملة تلاميذه في الفقه أحمد بن حنبل . وقد كان الشافعي من أعلم الناس بمعاني القرآن والسنة ، وأشد
الناس نزعا للدلائل منهما ، وكان من أحسن الناس قصدا وإخلاصا ، كان يقول : وددت أن الناس
تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي شئ منه أبدا فأوجر عليه ولا يحمدوني . وقد قال غير واحد عنه : إذا
صح عندكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا قولي ، فإني أقول به ، وإن لم تسمعوا مني . وفي
رواية فلا تقلدوني . وفي رواية فلا تلتفتوا إلى قولي . وفي رواية فاضربوا بقولي عرض الحائط ، فلا قول
لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال : لان يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في سنته في كتاب الملاحم باب ( 1 ) .
( 2 ) روى الإمام أحمد بمعناه عن قتادة بن النعمان عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) 6 / 384 وفيه : لا تسبن قريشا فلعلك أن ترى
منهم رجالا تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم . . .