قال الأصمعي : فقلت له : صدقت ، أنت العاقل وهو المجنون .
وعبيدة بن حميد بن صهيب ، أبو عبد الرحمن التميمي الكوفي ، مؤدب الأمين . روى عن
الأعمش وغيره ، وعنه أحمد بن حنبل . وكان يثني عليه . وفيها توفي :
يحيى بن خالد بن برمك
أبو علي الوزير والد جعفر البرمكي ، ضم إليه المهدي ولده الرشيد فرباه ، وأرضعته امرأته مع
الفضل بن يحيى ، فلما ولي الرشيد عرف له حقه ، وكان يقول : قال أبي ، قال أبي . وفوض إليه أمور
الخلافة وأزمتها ، ولم يزل كذلك حتى نكبت البرامكة فقتل جعفر وخلد أباه يحيى في الحبس حتى مات
في هذه السنة . وكان كريما فصيحا ، ذا رأي سديد ، يظهر من أموره خير وصلاح . قال يوما لولده :
خذوا من كل شئ طرفا ، فإن من جهل شيئا عاداه . وقال لأولاده : أكتبوا أحسن ما تسمعون ،
واحفظوا أحسن ما تكتبون ، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون . وكان يقول لهم : إذا أقبلت الدنيا فأنفقوا
منها فإنها لا تبقى ، وإذا أدبرت فأنفقوا منها فإنها لا تبقى ، وكان إذا سأله سائل في الطريق وهو راكب
أقل ما يأمر له بمائتي درهم فقال رجل يوما :
يا سمي الحصور ( 1 ) يحيى * أتيحت لك من فضل ربنا جنتان
كل من مر في الطريق عليكم * فله من نوالكم مائتان
مائتا درهم لمثلي قليل * هي ( 2 ) للفارس العجلان
فقال : صدقت . وأمر فسبق به إلى الدار ، فلما رجع سأل عنه فإذا هو قد تزوج وهو يريد أن
يدخل على أهله فأعطاه صداقها أربعة آلاف ، وعن دار أربعة آلاف ، وعن الأمتعة أربعة آلاف .
وكلفة الدخول أربعة آلاف ، وأربعة آلاف يستظهر بها . وجاء رجل يوما فسأله شيئا فقال : ويحك لقد
جئتني في وقت لا أملك فيه مالا ، وقد بعث إلي صاحب لي يطلب مني أن يهدي إلي ما أحب ، وقد
بلغني أنك تريد أن تبيع جارية لك ، وأنك قد أعطيت فيها ثلاثة آلاف دينار ، وإني سأطلبها فلا تبعها
منه بأقل من ثلاثين ألف دينار . فجاؤوني فبلغوا معي بالمساومة إلى عشرين ألف دينار ، فلما سمعتها
ضعف قلبي عن ردها ، وأجبت إلى بيعها ، فأخذها وأخذت العشرين ألف دينار . فأهداها إلى يحيى ،
فلما اجتمعت بيحيى قال : بكم بعتها ؟ قلت : بعشرين ألف دينار . قال : إنك لخسيس خذ جاريتك
إليك وقد بعث إلى صاحب فارس يطلب مني أن أستهديه شيئا ، وإني سأطلبها منه فلا تبعها بأقل من
خمسين ألف دينار . فجاؤوني فوصلوا في ثمنها إلى ثلاثين ألف دينار ، فبعتها منهم . فلما جئته لامني أيضا
هامش
( 1 ) الحصور : الذي لم يتزوج ، ويحيى المشار إليه هنا هو يحيى بن زكريا .
( 2 ) في وفيات الأعيان 6 / 223 : هي منكم للقابس .