فأنزلتهن في مسجد مهجور ثم قصدت مسجدا مأهولا أصلي فيه . فدخلت مسجدا فيه جماعة لم أر
أحسن وجوها منهم ، فجلست إليهم فجعلت أدبر في نفسي كلاما أطلب به منهم قوتا للعيال الذين
معي ، فيمنعني من ذلك السؤال الحياء ، فبينا أنا كذلك إذا بخادم قد أقبل فدعاهم فقاموا كلهم
وقمت معهم ، فدخلوا دارا عظيمة ، فإذا الوزير يحيى بن خالد جالس فيها فجلسوا حوله ، فعقد
عقد ابنته عائشة على ابن عم له ونثروا فلق المسك وبنادق العنبر ، ثم جاء الخدم إلى كل واحد من
الجماعة بصينية من فضة فيها ألف دينار ، ومعها فتات المسك ، فأخذها القوم ونهضوا وبقيت أنا
جالسا ، وبين يدي الصينية التي وضعوها لي ، وأنا أهاب أن آخذها من عظمتها في نفسي ، فقال لي
بعض الحاضرين : ألا تأخذها وتذهب ؟ فمددت يدي فأخذتها فأفرغت ذهبها في جيبي وأخذت
الصينية تحت إبطي وقمت ، وأنا خائف أن تؤخذ مني ، فجعلت أتلفت والوزير ينظر إلي وأنا لا
أشعر ، فلما بلغت الستارة أمرهم فردوني فيئست من المال ، فلما رجعت قال لي : ما شأنك خائف ؟
فقصصت عليه خبري ، فبكى ثم قال لأولاده : خذوا هذا فضموه إليكم . فجاءني خادم فأخذ مني
الصينية والذهب وأقمت عندهم عشرة أيام من ولد إلى ولد ، وخاطري كله عند عيالي ، ولا يمكنني
الانصراف ، فلما انقضت العشرة الأيام جاءني خادم فقال : ألا تذهب إلى عيالك ؟ فقلت : بلى
والله ، فقام يمشي أمامي ولم يعطني الذهب والصينية ، فقلت : يا ليت هذا كان قبل أن يؤخذ مني
الصينية والذهب ، يا ليت عيالي رأوا ذلك . فسار يمشي أمامي إلى دار لم أر أحسن منها ، فدخلتها
فإذا عيالي يتمرغون في الذهب والحرير فيها ، وقد بعثوا إلى الدار مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار ،
وكتابا فيه تمليك الدار بما فيها ، وكتابا آخر فيه تمليك قريتين جليلتين ، فكنت مع البرامكة في أطيب
عيش ، فلما أصيبوا أخذ مني عمرو بن مسعدة القريتين وألزمني بخراجهما ، فكلما لحقتني فاقة قصدت
دورهم وقبورهم فبكيت عليهم . فأمر المأمون برد القريتين ، فبكى الشيخ بكاء شديدا فقال
المأمون : مالك ؟ ألم استأنف بك جميلا ؟ قال : بلى ! ولكن هو من بركة البرامكة . فقال له المأمون :
امض مصاحبا فإن الوفاء مبارك ، ومراعاة حسن العهد والصحبة من الايمان . وفيها توفي :
الفضيل بن عياض
أبو علي التميمي أحد أئمة العباد الزهاد ، وهو أحد العلماء والأولياء ، ولد بخراسان بكورة
دينور ( 1 ) وقدم الكوفة وهو كبير ، فسمع بها الأعمش ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب
وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم . ثم انتقل إلى مكة فتعبد بها ، وكان حسن التلاوة كثير الصلاة
والصيام ، وكان سيدا جليلا ثقة من أئمة الرواية رحمه الله ورضي عنه . وله مع الرشيد قصة طويلة .
وقد روينا ذلك مطولا في كيفية دخول الرشيد عليه منزله ، وما قال له الفضيل بن عياض ، وعرض
هامش
( 1 ) قال ابن سعد : ولد بخراسان . وفي تذكرة الحفاظ 1 / 246 وابن الأثير 6 / 189 : ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد وفي
صفة الصفوة 2 / 237 : ولد بخراسان بكورة أبيورد . وانظر مروج الذهب 3 / 434 ووفيات الأعيان 4 / 49 .