قال فأجبته :
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر
قال ثمامة : فلما كانت الليلة القابلة قتله الرشيد ونصب رأسه على الجسر ثم خرج الرشيد فنظر
إليه فتأمله ثم أنشأ يقول :
تقاضاك دهرك ما أسلفا * وكدر عيشك بعد الصفا
فلا تعجبن فإن الزمان * رهين بتفريق ما ألفا
قال : فنظرت إلى جعفر وقلت : أما لئن أصبحت اليوم آية فلقد كنت في الكرم والجود غاية ،
قال : فنظر إلي كأنه جمل صؤول ثم أنشأ يقول : -
ما يعجب العالم من جعفر * ما عاينوه فبنا كانا
من جعفر أو من أبوه ومن * كانت بنو برمك لولانا
ثم حول وجه فرسه وانصرف ( 1 ) .
وقد كان مقتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر من سنة سبع وثمانين ومائة ، وكان عمره سبعا
وثلاثين سنة ، ومكث وزيرا سبع عشرة سنة . وقد دخلت عبادة أم جعفر على أناس في يوم عيد
أضحى تستمنحهم جلد كبش تدفأ به ، فسألوها عن ما كانت فيه من النعمة فقالت : لقد أصبحت
في مثل هذا اليوم وإن على رأسي أربعمائة وصيفة ، وأقول إن ابني جعفرا عاق لي . وروى الخطيب
البغدادي باسناده أن سفيان بن عيينة لما بلغه قتل الرشيد جعفرا وما أحل بالبرامكة ، استقبل القبلة
وقال : اللهم إن جعفرا كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة .
حكاية غريبة
ذكر ابن الجوزي في المنتظم أن المأمون بلغه أن رجلا يأتي كل يوم إلى قبور البرامكة فيبكي
عليهم ويندبهم ، فبعث من جاء به فدخل عليه وقد يئس من الحياة ، فقال له : ويحك ! ما يحملك
على صنيعك هذا ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إنهم أسدوا إلي معروفا وخيرا كثيرا . فقال : وما الذي
أسدوه إليك ؟ فقال : أنا المنذر بن المغيرة من أهل دمشق ، كنت بدمشق في نعمة عظيمة واسعة ،
فزالت عني حتى أفضى بي الحال إلى أن بعت داري ، ثم لم يبق لي شئ ، فأشار بعض أصحابي علي
بقصد البرامكة ببغداد ، فأتيت أهلي وتحملت بعيالي ، فأتيت بغداد ومعي نيف وعشرون امرأة
هامش
( 1 ) الرواية في وفيات الأعيان 1 / 339 والعقد الفريد 1 / 22 وذكر أن صاحب الرواية هو يحيى بن خالد .