فأجابته أو أمرت من أجابه :
قد أتانا الذي وصفت من الشوق * فكدنا وما قدرنا نظير
ليت أن الرياح كن يؤدين * ما قد يكن الضمير
لم أزل صبة فإن كنت بعدي * في سرور فدام ذاك السرور
وذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتت فيه مائة
وصيفة ، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا . فكتبت إليه : إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك
فظننا فيك أكثر مما بعثت ، وقد بخستنا في الثمن ، وإن كنت تريد به زيادة المودة فقد اتهمتني في المودة .
وردت ذلك عليه . وقد اشترت الدار المشهورة بها بمكة المعروفة بدار الخيزران ، فزادتها في المسجد
الحرام .
وكان مغل ضياعها في كل سنة ألف ( 1 ) ألف وستين ألفا ، واتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث
بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة . وخرج ابنها الرشيد في جنازتها وهو حامل سريرها يخب في
الطين . فلما انتهى إلى المقبرة أتي بماء فغسل رجليه ولبس خفا وصلى عليها ، ونزل لحدها . فلما خرج
من القبر أتي بسرير فجلس عليه واستدعى بالفضل بن الربيع فولاه الخانم والنفقات . وأنشد الرشيد
قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران :
وكنا كندماني جذيمة برهة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وفيها توفيت :
غادر : جارية كانت لموسى الهادي ، كان يحبها حبا شديدا جدا ، وكانت تحسن الغناء جدا ، فبينما
هي يوما تغنيه إذ أخذته فكرة غيبته عنها وتغير لونه ، فسأله بعض الحاضرين : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟
فقال : أخذتني فكرة أني أموت وأخي هارون يتولى الخلافة بعدي ويتزوج جاريتي هذه . ففداه
الحاضرون ودعوا له بطول العمر . ثم استدعى أخاه هارون فأخبره بما وقع فعوذه الرشيد من ذلك ،
فاستحلفه الهادي بالايمان المغلظة من الطلاق والعتاق والحج ماشيا حافيا أن لا يتزوجها ، فحلف له
واستحلف الجارية كذلك فحلفت له ، فلم يكن إلا أقل من شهرين حتى مات ، ثم خطبها الرشيد
فقالت : كيف بالايمان التي حلفناها أنا وأنت ؟ فقال : إني أكفر عني وعنك . فتزوجها وحظيت عنده
جدا ، حتى كانت تنام في حجره فلا يتحرك خشية أن يزعجها . فبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت
مذعورة تبكي ، فقال لها : ما شأنك ؟ فقالت : يا أمير المؤمنين رأيت الهادي في منامي هذا وهو يقول :
هامش
( 1 ) في مروج الذهب 3 / 413 : مائة ألف ألف وستين ألف درهم .