محمد بن الرشيد ابن زبيدة . وذلك يوم الجمعة لست ( 1 ) عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة .
وفيها كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس . وفيها حج بالناس أمير
المؤمنين الرشيد ، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة ، ويقال إنه غزا في هذه السنة أيضا . وفي ذلك
يقول داود بن رزين الشاعر :
بهارون لاح النور في كل بلدة * وقام به في عدل سيرته النهج
إمام بذات الله أصبح شغله * وأكثر ما يعنى به الغزو والحج
تضيق عيون الناس عن نور وجهه * إذا ما بدا للناس منظره البلج
وإن أمين الله هارون ذا الندا * ينيل الذي يرجوه أضعاف ما يرجو
وغزا الصائفة فيها سليمان بن عبد الله البكائي .
ذكر من توفي فيها من الأعيان
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدي ، ويقال الفرهودي الأزدي ، شيخ
النحاة ، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل ، وغير واحد من أكابرهم ، وهو الذي اخترع علم
العروض . قسمه إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا ، وزاد الأخفش فيه بحرا آخر وهو
الخبب ، وقد قال بعض الشعراء :
قد كان شعر الورى صحيحا * من قبل أن يخلق الخليل
وقد كان له معرفة بعلم النغم ، وله فيه تصنيف أيضا ، وله كتاب العين في اللغة ، ابتدأه وأكمله
النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل ، كمؤرج السدوسي ، ونصر بن علي الجهضمي . فلم
يناسبوا ما وضعه الخليل . وقد وضع ابن درستويه كتابا وصف فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد . وقد
كان الخليل رجلا صالحا عاقلا وقورا كاملا ، وكان متقللا من الدنيا جدا ، صبورا على خشونة العيش
وضيقه ، وكان يقول : لا يجاوز همي ما وراء بابي ، وكان ظريفا حسن الخلق ، وذكر أنه اشتغل رجل
عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه . قال : فقلت له يوما : كيف تقطع هذا البيت ؟
إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع معي في تقطيعه على قدر معرفته ، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلي ، وكأنه فهم ما
أشرت إليه . ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأحمد سوى أبيه . روى ذلك عن أحمد بن أبي خيثمة
والله أعلم . ولد الخليل سنة مائة من الهجرة ، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور ، وقيل سنة
هامش
( 1 ) في الطبري 10 / 50 : لثلاث .