بالفاعل ثم يذهب فيشتري البيض والزبدة وتارة الشواء والجوذبان والخبيص فيطعمه أصحابه وهو
صائم ، فإذا أفطر يأكل من ردئ الطعام ويحرم نفسه المطعم الطيب ليبر به الناس تأليفا لهم وتحببا
وتوددا إليهم .
وأضاف الأوزاعي إبراهيم بن أدهم فقصر إبراهيم في الاكل فقال : مالك قصرت ؟ فقال :
لأنك قصرت في الطعام . ثم عمل إبراهيم طعاما كثيرا ودعا الأوزاعي فقال الأوزاعي : أما تخاف أن
يكون سرفا ؟ فقال : لا ! إنما السرف ما كان في معصية الله ، فأما ما أنفقه الرجل على إخوانه فهو من
الدين . وذكروا أنه حصد مرة بعشرين دينارا ، فجلس مرة عند حجام وهو وصاحب له ليحلق رؤوسهم
ويحجمهم ، فكأنه تبرم بهم واشتغل عنهم بغيرهم ، فتأذى صاحبه من ذلك ثم أقبل عليهم الحجام
فقال : ماذا تريدون ؟ قال إبراهيم : أريد أن تحلق رأسي وتحجمني ، ففعل ذلك فأعطاه إبراهيم
العشرين دينارا ، وقال : أردت أن لا تحقر بعدها فقيرا أبدا . وقال مضاء بن عيسى : ما فاق إبراهيم
أصحابه بصوم ولا صلاة ولكن بالصدق والسخاء .
وكان إبراهيم يقول : فروا من الناس كفراركم من الأسد الضاري ، ولا تخلفوا عن الجمعة
والجماعة . وكان إذا سافر مع أحد من أصحابه يحدثه إبراهيم ، وكان إذا حضر في مجلس فكأنما على
رؤوسهم الطير هيبة له وإجلالا . وربما تسامر هو وسفيان الثوري في الليلة الشاتية إلى الصباح ، وكان
الثوري يتحرز معه في الكلام . ورأى رجلا قيل له : هذا قاتل خالك ، فذهب إليه فسلم عليه وأهدى
له وقال : بلغني أن الرجل لا يبلغ درجة اليقين حتى يأمنه عدوه . وقال له رجل : طوبى لك أفنيت
عمرك في العبادة وتركت الدنيا والزوجات . فقال : ألك عيال ؟ قال : نعم . فقال : لروعة الرجل
صاله يعني في بعض الأحيان من الفاقة - أفضل من عبادة كذا وكذا سنة . ورآه الأوزاعي ببيروت
؟ عنقه حزمة حطب فقال : يا أبا إسحاق إن إخوانك يكفونك هذا . فقال له : اسكت يا أبا عمرو !
بلغني أنه إذا وقف الرجل موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة . وخرج ابن أدهم من بيت
المقدس فمر بطريق فأخذته المسلحة في الطريق فقالوا : أنت عبد ؟ قال : نعم . قالوا : آبق ؟ قال :
نعم . فسجنوه . فبلغ أهل بيت المقدس خبره فجاؤوا برمتهم إلى نائب طبرية فقالوا : علام سجنت
إبراهيم بن أدهم ؟ قال : ما سجنته . قالوا : بلى هو في سجنك . فاستحضره فقال : علام سجنت .
فقال : سل المسلحة ، قالوا : أنت عبد ؟ قلت : نعم وأنا عبد الله . قالوا : آبق ؟ قلت : نعم وأنا عبد
آبق من ذنوبي . فخلى سبيله .
وذكروا أنه مر مع رفقة فإذا الأسد على الطريق فتقدم إليه إبراهيم بن أدهم فقال له : يا قسورة
إن كنت أمرت فينا بشئ فامض لما أمرت به وإلا فعودك على بدئك . قالوا : فولى السبع ذاهبا يضرب
بذنبه ، ثم أقبل علينا إبراهيم فقال : قولوا : اللهم راعنا بعينك التي لا تنام ، واكنفنا بكنفك الذي لا
البداية والنهاية — صفحة 148
مساهمون: ابن كثير
ص١٤٨