فيوقف بين يدي الله فيقول له : يا عبدي مالك لم تحج ؟ فيقول : يا رب لم تعطني شيئا أحج به . فيقول
الله : صدق عبدي اذهبوا به إلى الجنة . وقال أقمت بالشام أربعا وعشرين سنة لم أقم بها لجهاد ولا
رباط إنما نزلتها لأشبع من خبز حلال . وقال : الحزن حزنان حزن لك وحزن عليك ، فحزنك على
الآخرة لك . وحزنك على الدنيا وزينتها عليك . وقال : الزهد ثلاثة ، واجب ، ومستحب ، وزهد
سلامة ، فأما الواجب فالزهد في الحرام ، والزهد عن الشهوات الحلال مستحب ، والزهد عن
الشبهات سلامة . وكان هو وأصحابه يمنعون أنفسهم الحمام والماء البارد والحذاء ولا يجعلون في
ملحهم أبزارا ، وكان إذا جلس على سفرة فيها طعام طيب رمى بطيبها إلى أصحابه وأكل هو الخبز
والزيتون . وقال : قلة الحرص والطمع تورث الصدق والورع ، وكثرة الحرص والطمع تورث الغم
والجزع . وقال له رجل : هذه جبة أحب أن تقبلها مني . فقال : إن كنت غنيا قبلتها ، وإن كنت فقيرا لم
أقبلها . قال : أنا غني . قال : كم عندك ؟ قال : ألفان . قال : تود أن تكون أربعة آلاف ؟ قال : نعم ،
قال فأنت فقير ، لا أقبلها منك . وقيل له : لو تزوجت ؟ فقال : لو أمكنني أن أطلق نفسي لطلقتها .
ومكث بمكة خمسة عشر يوما لا شئ له ولم يكن له زاد سوى الرمل بالماء ، وصلى بوضوء واحد خمس
عشرة صلاة ، وأكل يوما على حافة الشريعة ( 1 ) كسيرات مبلولة بالماء وضعها بين يديه أبو يوسف
الغسولي ، فأكل منها ثم قام فشرب من الشريعة ثم جاء واستلقى على قفاه وقال : يا أبا يوسف لو علم
الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ
العيش . فقال له أبو يوسف : طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم . فتبسم إبراهيم
وقال : من أين لك هذا الكلام ؟ وبينما هو بالمصيصة ( 2 ) في جماعة من أصحابه إذ جاءه راكب فقال :
أيكم إبراهيم بن أدهم ؟ فأرشد إليه ، فقال : يا سيدي أنا غلامك ، وإن أباك قد مات وترك مالا هو
عند القاضي ، وقد جئتك بعشرة آلاف درهم لتنفقها عليك إلى بلخ ، وفرس وبغلة . فسكت إبراهيم
طويلا ثم رفع رأسه فقال : إن كنت صادقا فالدراهم والفرس والغلة لك ، ولا تخبر به أحدا . ويقال :
إنه ذهب بعد ذلك إلى بلخ وأخذ المال من الحاكم وجعله كله في سبيل الله .
وكان معه بعض أصحابه فمكثوا شهرين لم يحصل لهم شئ يأكلونه ، فقال له إبراهيم : ادخل
إلى هذه الغيضة - وكان ذلك في يوم شات - قال : فدخلت فوجدت شجرة عليها خوخ كثير فملأت
منه جرابي ثم خرجت ، فقال : ما معك ؟ قلت : خوخ . فقال : يا ضعيف اليقين ! لو صبرت لوجدت
رطبا جنيا ، كما رزقت مريم بنت عمران . وشكا إليه بعض أصحابه الجوع فصلى ركعتين فإذا حوله
دنانير كثيرة فقال لصاحبه : خذ منها دينارا ، فأخذه واشترى لهم به طعاما . وذكروا أنه كان يعمل
هامش
( 1 ) وكان ذلك على نهر الأردن وهو بطريقه إلى الإسكندرية . صفة الصفوة 4 / 153 .
( 2 ) المصيصة : مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس والمصيصة أيضا
قرية من قرى دمشق قرب بيت لهيا ( معجم البلدان ) والرواية في صفة الصوفة 4 / 156 باختلاف .