فقال المنصور : هذا أوان حضور أجلي وانقضاء عمري . وكان قد رأى قبل ذلك في قصره الخلد
الذي بناه وتأنق فيه مناما أفزعه فقال للربيع : ويحك يا ربيع ! لقد رأيت مناما هالني ، رأيت قائلا وقف
في باب هذا القصر وهو يقول :
كأني بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه أهله ( 1 ) ومنازله
وصار رئيس ( 2 ) القصر من بعد بهجة * إلى جدث يبني عليه ( 3 ) جنادله
فما أقام في الخلد إلا أقل من سنة حتى مرض في طريق الحج ، ودخل مكة مدنفا ثقيلا . وكانت
وفاته ليلة السبت لست وقيل لسبع مضين من ذي الحجة ، وكان آخر ما تكلم به أن قال : اللهم بارك
لي في لقائك . وقيل : إنه قال يا رب إن كنت عصيتك في أمور كثيرة فقد أطعتك في أحب الأشياء إليك
شهادة أن لا إله إلا الله مخلصا . ثم مات . وكان نقش خاتمه . الله ثقة عبد الله وبه يؤمن . وكان عمره
يوم وفاته ثلاثا وستين سنة على المشهور ، منها ثنتان وعشرون سنة خليفة . ودفن بباب المعلاة رحمه الله .
قال ابن جرير : ومما رثي به قول سلم الخاشر الشاعر :
عجبا للذي نعى الناعيان * كيف فاهت بموته الشفتان
ملك أن عدا ( 4 ) على الدهر يوما * أصبح الدهر ساقطا للجران
ليت كفا حثت عليه ترابا * لم تعد في يمينها ببنان
حين دانت له البلاد على العسف * وأغضى من خوفه الثقلان
أين رب الزوراء قد قلدته * الملك عشرين حجة واثنتان
إنما المرء كالزناد إذا ما * أخذته قوادح النيران
ليس يثني هواه زجر ولا يقدح * في حبله ذوو الأذهان
قلدته أعنة الملك حتى * قاد أعداءه بغير عنان
يكسر الطرف دونه وترى الأيدي * من خوفه على الأذقان
ضم أطراف ملكه ثم أضحى * خلف أقصاهم ودون الداني
هاشمي التشمير لا يحمل الثقل * على غارب الشرود الهدان
ذو أناة ينسى لها الخائف الخوف * وعزم يلوي بكل جنان
هامش
( 1 ) في الطبري 10 / 12 وابن الأثير 6 / 81 ومروج الذهب 3 / 395 : ربعه . وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 402 : ركنه
( 2 ) في المراجع : عميد .
( 3 ) في الطبري وابن الأثير ومروج الذهب : وملك إلى قبر عليه . . .
وبعده في المراجع :
فلم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادي عليه معولات حلائله
( 4 ) في الطبري 9 / 318 : غدا .