يا بن الفاعلة ! مثلك يهزم الجيوش ؟ فقال الخارجي : ويلك سوأة لك بيني وبينك أمس السيف والقتل
واليوم القذف والسب ، وما يؤمنك أن أرد عليك وقد يئست من الحياة فما أستقبلها أبدا . قال فاستحيى
منه المنصور وأطلقه . فما رأى له وجها إلى الحول . وقال لابنه لما ولاه العهد : يا بني ائتدم النعمة
بالشكر ، والقدرة بالعفو ، والنصر بالتواضع ، والتألف بالطاعة ، ولا تنس نصيبك من الدنيا ونصيبك
من رحمة الله .
وقال أيضا : يا بني ليس العاقل من يحتال للامر الذي وقع فيه حتى يخرج منه ، ولكن العاقل
الذي يحتال للامر الذي غشيه حتى لا يقع فيه . وقال المنصور : يا بني لا تجلس مجلسا إلا وعندك من
أهل الحديث من يحدثك ، فإن الزهري قال : علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال ، ولا يكرهه
إلا مؤنثوهم ، وصدق أخو زهرة . وقد كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه والحديث والفقه
فنال جانبا جيدا وطرفا صالحا ، وقد قيل له يوما : يا أمير المؤمنين هل بقي شئ من اللذات لم تنله ؟
قال : شئ واحد ، قالوا : وما هو ؟ قال : قول المحدث للشيخ من ذكرت رحمك الله . فاجتمع وزراؤه
وكتابه وجلسوا حوله وقالوا : ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث ، فقال : لستم بهم ، إنما هم
الدنسة ثيابهم ، المشققة أرجلهم ، الطويلة شعورهم ، رواد الآفاق وقطاع المسافات ، تارة بالعراق
وتارة بالحجاز ، وتارة بالشام ، وتارة باليمن . فهؤلاء نقلة الحديث .
وقال يوما لابنه المهدي : كم عندك من دابة ؟ فقال لا أدري . فقال : هذا هو التقصير ، فأنت
لأمر الخلافة أشد تضييعا فاتق الله يا بني . وقالت خالصة إحدى حظيات المهدي : دخلت يوما على
المنصور وهو يشتكي ضرسه ويداه على صدغيه فقال لي : كم عندك من المال يا خالصة ؟ فقلت ألف
درهم . فقال : ضعي يدك على رأسي واحلفي ، فقلت : عندي عشرة آلاف دينار . قال : اذهبي
فاحمليها إلي . قالت : فذهبت حتى دخلت على سيدي المهدي وهو مع زوجته الخيزران فشكوت ذلك
إليه فوكزني برجله وقال : ويحك ! إنه ليس له وجع ولكني سألته بالأمس مالا فتمارض ، وإنه لا يسعك
إلا ما أمرك به . فذهبت إليه خالصة ومعها عشرة آلاف دينار ، فاستدعى بالمهدي فقال له : تشكو
الحاجة وهذا كله عند خالصة ؟ وقال المنصور لخازنه : إذا علمت بمجئ المهدي فائتني بخلقان الثياب
قبل أن يجئ ، فجاء بها فوضعها بين يديه ودخل المهدي والمنصور يقلبها ، فجعل المهدي يضحك ،
فقال : يا بني من ليس له خلق ليس له جديد ، وقد حضر الشتاء فنحتاج نعين العيال والولد . فقال
المهدي : علي كسوة أمير المؤمنين وعياله ، فقال : دونك فافعل .
وذكر ابن جرير عن الهيثم : أن المنصور أطلق في يوم واحد لبعض أعمامه ألف ألف درهم وفي
هذا اليوم فرق في بيته عشرة آلاف درهم ، ولا يعلم خليفة فرق مثل هذا في يوم واحد . وقرأ بعض
الفراء عند المنصور ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) [ النساء : 37 ] فقال : والله لولا أن
المال حصن للسلطان ودعامة للدين والدنيا وعزهما ما بت ليلة واحدة وأنا أحرز منه دينارا ولا درهما لما
البداية والنهاية — صفحة 134
مساهمون: ابن كثير
ص١٣٤