فاستحيا نبي الله عليه السلام من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال : ( رب لو شئت
لأهلكتهم من قبل وإياي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) وفيهم من كان الله اطلع منه على ما
أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به . فلذلك رجفت بهم الأرض فقال ( رحمتي وسعت كل
شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون . الذين يتبعون الرسول
النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) فقال يا رب سألتك التوبة
لقومي ، فقلت : إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل
المرحوم ( 1 ) فقال له : إن توبتهم أن يقتل كل رجل [ منهم ] من لقي من والد وولد ، فيقتله
بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن . وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون
[ أمرهم ] واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول . ثم سار
بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة ، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ،
فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها وفتق ( 2 ) الله عليهم الجبل
كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، وأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون
إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم . ثم مضوا حتى أتوا الأرض
المقدسة ، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون ، خلقهم خلق منكر ، وذكر من ثمارهم أمرا
عجبا ( 3 ) من عظمها ، فقالوا : ( يا موسى إن فيها قوما جبارين ) لا طاقة لنا بهم ، ولا ندخلها ما
داموا فيها ( فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) . ( قال رجلان من الذين يخافون ) قيل ليزيد :
هكذا قرأه ؟ قال : نعم ، من الجبارين ، آمنا بموسى وخرجنا إليه ، فقالوا : نحن أعلم بقومنا إن
كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم ، فأدخلوا
عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس : إنهم من قوم موسى . فقال الذين يخافون
من بني إسرائيل ( قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا
ههنا قاعدون ) فأغضبوا موسى ، فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى
منهم من المعصية وإساءتهم ، حتى كان يومئذ فاستجاب الله له ، وسماهم كما سماهم [ موسى ]
فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم
ظلل عليهم الغمام في التيه ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ
وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا ، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، في
كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، فلا يرتحلون من محلة - إلا وجدوا
هامش
( 1 ) في تفسير ابن كثير : المرحومة .
( 2 ) في نسخة : ونتق .
( 3 ) في تفسير ابن كثير : عجيبا .