والأخرى * ولما أعطى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية ، وسمع الخطاب ، سأل رفع الحجاب ،
فقال للعظيم الذي لا تدركه الابصار القوي البرهان : ( ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ) . ثم
بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى لان الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا وأشد
ثباتا من الانسان ، لا يثبت عند التجلي من الرحمان ولهذا قال ( ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر
مكانه فسوف تراني ) .
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له : يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا
تدهده ( 1 ) وفي الصحيحين ( 2 ) عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " حجابه النور . وفي رواية
النار ( 3 ) لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ( 4 ) . وقال ابن عباس في
قوله تعالى ( لا تدركه الابصار ) ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى لشئ لا يقوم له شئ ولهذا قال
تعالى ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا
أول المؤمنين ) . قال مجاهد ( ولكن أنظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني ) فإنه أكبر
منك وأشد خلقا فلما تجلى ربه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ورأى
موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا * وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه
ابن جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت . زاد ابن جرير وليث عن أنس أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) قال هكذا بإصبعه ووضع للنبي صلى الله عليه وسلم
الابهام على المفصل الاعلى من الخنصر ، فساخ الجبل لفظ ابن جرير . وقال السدي عن عكرمة
وعن ابن عباس ما تجلى يعني من العظمة إلا قدر الخنصر ، فجعل الجبل دكا قال ترابا ( وخر
موسى صعقا ) أي مغشيا عليه وقال قتادة ميتا . والصحيح الأول لقوله ( فلما أفاق ) فإن الإفاقة
إنما تكون عن غشى قال ( سبحانك ) تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد ( تبت إليك )
أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية ( وأنا أول المؤمنين ) أنه لا يراك حي إلا مات ولا يابس إلا
هامش
( 1 ) تدهده : خسف به وتدحرج .
( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه 1 / 79 / 293 ورواه أحمد في مسنده 4 / 401 - 405 وابن ماجة في سننه المقدمة
13 / 195 .
( 3 ) وهي رواية أبي بكر - انظر المرجع السابق .
( 4 ) السبحات جمع سبحة . قال صاحب العين والهروي معنى سبحات وجهه : نوره وجلاله وبهاؤه . والحجاب : المنع
والستر . وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة ، والله تعالى منزه عن الحد والجسم ، والمراد هنا المانع من
رؤيته ، ولذلك سمي المانع نورا أو نارا لأنهما يمنعان من الادراك في العادة لشعاعهما . والوجه - هنا - الذات .
( 5 ) البخاري في 44 كتاب الخصومات 1 باب ما يذكر في الأشخاص . .
ومسلم في 43 كتاب الفضائل ( ح 163 ) ص 4 / 1845 .
ورواه أحمد في مسنده من طريق أبي هريرة . ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الدلائل ج 5 / 493 .