الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه فقال لهم الرسول الصادق المصدوق ( كلا إن معي ربي
سيهدين ) وكان في الساقة فتقدم إلى المقدمة ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ويتزايد زبد
أجاجه وهو يقول : ههنا أمرت ومعه أخوه هارون ويوشع بن نون ، وهو يومئذ من سادات بني
إسرائيل ، وعلمائهم ، وعبادهم الكبار ، وقد أوحى الله إليه وجعله نبيا بعد موسى وهارون عليهما
السلام ، كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله * ومعهم أيضا مؤمن آل فرعون وهم وقوف وبنو إسرائيل
بكمالهم عليهم عكوف * ويقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مرارا في البحر هل يمكن
سلوكه ، فلا يمكن ويقول لموسى عليه السلام : يا نبي الله أههنا أمرت ؟ فيقول نعم . فلما تفاقم
الامر ، وضاق الحال ، واشتد الامر ، واقترب فرعون وجنوده في جدهم : وحدهم وحديدهم
وغضبهم وحنقهم ، وزاغت الابصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، فعند ذلك أوحى الحليم العظيم
القدير رب العرش الكريم إلى موسى الكليم ( أن أضرب بعصاك البحر ) فلما ضربه يقال إنه قال
له : انفلق بإذن الله ، ويقال : إنه كناه بأبي خلد فالله أعلم ، قال الله تعالى : ( فأوحينا إلى موسى
أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) [ الشعراء : 63 ] ويقال : إنه
انفلق اثنتي عشرة طريقا لكل سبط ( 1 ) طريق يسيرون فيه حتى قيل إنه صار أيضا شبابيك ليرى
بعضهم بعضا ، وفي هذا نظر ، لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه . وهكذا كان ماء
البحر قائما مثل الجبال مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشئ كن فيكون . وأمر
الله ريح الدبور ( 2 ) فلقحت حال ( 3 ) البحر فأذهبته حيت صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول
والدواب . قال الله تعالى ( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر
يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى . فاتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون
قومه وما هدى ) [ طه : 77 - 79 ] والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الرب
العظيم ، الشديد المحال ، أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين ،
مستبشرين مبادرين ، وقد شاهدوا من الامر العظيم ما يحير الناظرين ، ويهدي قلوب المؤمنين ، فلما
جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه ، وانفصلوا عنه ، كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه
ووفودهم عليه ، فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون
لفرعون وجنوده وصول إليه . ولا سبيل عليه فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه
الحال ، كما قال وهو الصادق في المقال ( ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا
إلى عباد الله إني لكم رسول أمين . وان لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين . واني عذت بربي
وربكم أن ترجمون . وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون . فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون . فأسر بعبادي
هامش
( 1 ) سبط : كان بنو إسرائيل اثني عشر سبطا . والجمع أسباط .
( 2 ) ريح الدبور : الريح الغربية .
( 3 ) حال البحر : الطين الأسود الذي يكون في أرضه .