عن أمر ربه وربهم . وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون ( هل
علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون . قالوا ) وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا إليه
مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو ( أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي ) يعني أنا
يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله ( وهذا أخي ) تأكيد لما
قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال ( قد من
الله علينا ) أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة
ربنا وصبرنا على ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا ( إنه من يتق
ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين . قالوا تالله لقد آثرك الله علينا ) أي فضلك وأعطاك ما لم
يعطنا ( وإن كنا لخاطئين ) . أي فيما أسدينا إليك ( 1 ) وها نحن بين يديك ( قال لا تثريب عليكم
اليوم ) أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال ( اليوم
يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) .
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف
والصحيح الأول . ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فإنه
يرجع إليه بصره بعدما كان ذهب بإذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر
المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين ( 2 ) إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل
بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور .
( فلما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون . قالوا تالله إنك لفي
ضلالك القديم . فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا . قال ألم أقل لكم إني أعلم من
الله ما لا تعلمون . قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين . قال سوف استغفر لكم ربي إنه
هو الغفور الرحيم ) [ يوسف : 94 - 98 ] .
قال عبد الرزاق أنبأنا إسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل سمعت ابن عباس
يقول : فلما فصلت العير قال : لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف
( فقال إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ) قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام ( 3 ) . وكذا
رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان ( 4 ) به . وقال الحسن البصري وابن جريج المكي كان بينهما
هامش
( 1 ) قال أبو علي الجبائي : لم يعتذروا إليه من أقدامهم على إلقائه في الجب ، وإنما اعتذروا من حيث إنهم أخطأوا لأنهم
لم يظهروا لأبيهم ما فعلوه . قال الرازي وهذا الكلام ضعيف تفسير الفخر الرازي 18 / 205 .
( 2 ) قال الكلبي : كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ; وقال مسروق : ثلاثة وتسعون بين رجل وامرأة . تفسير الرازي
18 / 207 . وفي الطبري 1 / 187 : كان دخول يعقوب مصر في سبعين إنسانا من أهله .
( 3 ) في نسخة : ثلاثة أيام .
( 4 ) في نسخة : أبي سعد . وفي الطبري : ابن سنان .