تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح السنة — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
فِي النَّارِ ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فَجَارَ فِي الحُكمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ " . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا ، إِذْ لَوْ كَانَ كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا ، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّقْسِيمِ مَعْنًى ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ إِذَا اجْتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ فِي حَادِثَةٍ فَاخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمَا ، أَنَّ الْحَقَّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، لأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْحَادِثَةِ إِلا الاجْتِهَادَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالاجْتِهَادِ لإِصَابَةِ الْحَقِّ ، فَإِنْ أَصَابَهُ أُجِرَ ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ عُذِرَ ، كَمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ ، كُلِّفَ أَنْ يَجْتَهِدَ لِيُصِيبَ جِهَتَهَا ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا يَقِينًا عُذِرَ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَفْقَهَ حَتَّى يَجْتَهِدَ ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ مُشَاوَرَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحَوَادِثِ ، وَالْبَحْثِ عَنِ الدَّلائِلِ ، ثُمَّ يَحْكُمُ بِمَا لاحَ لَهُ بِالدَّلِيلِ ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِهِ : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ } [ آل عمرَان : 159 ] ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : « مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُشاوَرَةً لأصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ » .
شرح السنة — صفحة 118 | البغوي / شعيب الأرنؤوط - محمد زهير الشاويش