قَوْلُهُ : « مَا حَقُّ امْرِئٍ » مَعْنَاهُ : مَا حَقُّهُ مِنْ جِهَةِ الْحَزْمِ وَالاحْتِيَاطِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ ، فَرُبَّمَا يَأْتِيهِ بَغْتَةً ، فَيَمْنَعُهُ عَنِ الْوَصِيَّةِ .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، لأَنَّهُ فَوَّضَ إِلَى إِرَادَتِهِ ، فَقَالَ : « لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ » يَعنِي يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
وَذَهَبَ بَعْضُ التَّابِعِينَ إِلَى إِيجَابِهَا مِمَّنْ لَمْ يَجْعَلِ الآيَةَ مَنْسُوخَةً فِي حَقِّ الْكَافَّةِ ، ثُمَّ الاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ مَالٌ دُونَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فَضْلٌ ، وَهَذَا فِي الْوَصِيَّةِ الْمُتَبَرَّعِ بِهَا مِنْ صَدَقَةٍ ، وَبِرٍّ وَصِلَةٍ ، فَأَمَّا أَدَاءُ الدُّيُونِ وَالْمَظَالِمِ الَّتِي يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا ، وَرَدُّ الأَمَانَاتِ ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا ، وَأَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى أَوْلِيَائِهِ فِيهَا ، لأَنَّ أَدَاءَ الْحُقُوقِ ، وَالأَمَانَاتِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : « مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا ، وَلا دِرْهَمًا ، وَلا بَعِيرًا ، وَلا شَاةً ، وَلا أَوْصَى بِشَيْءٍ » .
شرح السنة — صفحة 278
مساهمون: البغوي
ص٢٧٨