Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 287

Contributors:

P.287
عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى أيمان اليهود فقالوا كيف نرضى بأيمانهم وهو مشركون وهذا يجرى مجرى الرد لما دعاهم إليه مع أن رضا المدعى لا مدخل له في يمين المدعى عليه وفيه أيضا أنه لما قال لهم يحلف منكم خمسون أنهم قتلوه قالوا كيف نحلف على ما لم نشهد وهذا أيضا يجرى مجرى الرد لقوله عليه الصلاة والسلام ثم إنهم أنكروا ذلك لعدم علمهم بالمحلوف عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنهم لا علم لهم بذلك فكيف استخار عرض اليمين عليهم ولئن ثبت فهو مؤول وتأويله أنهم لما قالوا لا نرضى بايمان اليهود فقال لهم عليه الصلاة والسلام يحلف منكم خمسون على الاستفهام أي أيحلف إذ الاستفهام قد يكون بحذف حرف الاستفهام كما قال الله تعالى جل شأنه تريدون عرض الدنيا أي أتريدون كما روى في بعض ألفاظ حديث سهل أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم على سبيل الرد والانكار عليهم كما قال الله تبارك وتعالى أفحكم الجاهلية يبغون حملناه على هذا توفيقا بين الدلائل والحديث المشهور دليل على ما قلنا وهو قوله عليه الصلاة والسلام البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه جعل جنس اليمين على المدعى عليه فينبغي أن لا يكون شئ من الايمان على المدعى فان قيل روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه الا في القسامة استثنى القسامة فينبغي أن لا تكون اليمين على المدعى عليه في القسامة لان حكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فالجواب أن الاستثناء لو ثبت فله تأويلان أحدهما اليمين على المدعى عليه بعينه الا في القسامة فان يحلف من لم يدع عليه القتل بعينه والثاني اليمين كل الواجب على المدعى عليه الا في القسامة فإنه تجب معها الدية والله سبحانه وتعالى أعلم وإنما جمعنا في القسامة بين اليمين البتات والعلم إلى آخره لان احدى اليمنين كانت على فعلهم فكانت على البتات والأخرى على فعل غيرهم فكانت على العلم والله تعالى عز وجل أعلم فان قيل أي فائدة في الاستحلاف على العلم وهم لو علموا القاتل فأخبروا به لكان لا يقبل قولهم لأنهم يسقطون به الضمان عن أنفسهم فكانوا متهمين دافعين الغرم عن أنفسهم وقد قال عليه الصلاة والسلام لا شهادة للمتهم وقال عليه الصلاة والسلام لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم قيل إنما استحلفوا على العلم اتباعا للسنة لان السنة هكذا وردت لما روينا من الاخبار فاتبعنا السنة من غير أن نعقل فيه المعنى ثم فيه فائدة من وجهين أحدهما أن من الجائز أن يكون القاتل عبدا لواحد منهم فيقر عليه بالقتيل فيقبل اقراره لان اقرار المولى على عبده بالقتل الخطأ صحيح فيقال له ادفعه أو افده ويسقط الحكم عن غيره فكان التحليف على العلم مفيدا وجائز أن يقر على عبد غيره ويصدقه مولاه فيؤمر بالدفع أو الفداء ويسقط الحكم عن غيره فكان مفيدا فجاز أن يكون التحليف على العلم لهذا المعنى في الأصل ثم بقي هذا الحكم وان لم يكن لواحد من الحالفين عبد كالرمل في الطواف لأنه عليه الصلاة والسلام كأن يرمل في الطواف اظهارا للجلادة والقوة مراءاة للكفرة بقوله عليه الصلاة والسلام رحم الله امرأ أظهر يوم الجلادة من نفسه ثم زال ذلك اليوم ثم بقي الرمل سنة في الطواف حتى روى أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يرمل في الطواف ويقول ما أهز كتفي ولم أحدا رأيته لكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كذا هذا والثاني أنه لا يمتنع أن يكون واحد منهم أمر صبيا أو مجنونا أو عبدا محجورا عليه بالقتل ولو أقر به يلزمه في ماله يحلف بالله ما علمت له قاتلا لأنه لو قال علمت له قاتلا وهو الصبي الذي أمره بقتله لكان حاصل الضمان عليه ويسقط الحكم عن غيره فكان مفيدا والله تعالى أعلم * ( فصل ) * وأما شرائط وجوب القسامة والدية فأنواع منها أن يكون الموجود قتيلا وهو أن يكون به أثر القتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق فإن لم يكن شئ من ذلك فلا قسامة فيه ولا دية لأنه إذا لم يكن به أثر القتل فالظاهر أنه مات حتف أنفه فلا يجب فيه شئ فإذا احتمل انه مات حتف أنفه واحتمل أنه قتل احتمالا على السواء فلا يجب شئ بالشك والاحتمال ولهذا لو وجد في المعركة ولم يكن به أثر القتل لم يكن شهيدا حتى يغسل وعلى هذا قالوا إذا وجد والدم يخرج من فمه أو من أنفه أو دبره أو ذكره لا شئ فيه لان الدم يخرج من هذه المواضع عادة بدون الضرب بسبب القئ والرعاف وعارض آخر فلا يعرف كونه قتيلا وإن كان يخرج من عينه أو أذنه ففيه القسامة والدية لان الدم