Skip to main content

بدائع الصنائع — Page 172

Contributors:

P.172
من حيث سلامة الأسباب والآلات هي امكان استعمال سائر الجوارح السليمة وذلك لا يتحقق على الكمال الا عند الاحتلام فان قيل الادراك امكان استعمال سائر الجوارح إن كان ثابتا فاما امكان استعمال الآلة المخصوصة وهو قضاء الشهوة على سبيل الكمال فليس بثابت لان كمالها بالانزال والاحتلام سبب لنزول الماء على الأغلب فجعل علما على البلوغ ولان الله تعالى أمر بابتغاء الولد وأخبر انه مكتوب له بقوله تبارك وتعالى وابتغوا ما كتب الله لكم والتكليف بابتغاء الولد إنما يتوجه في وقت لو ابتغى الولد لوجد ولا يكون ذلك الا في خروج الماء للشهوة وذلك في حق الصبي بالاحتلام في المتعارف ولان عند الاحتلام يخرج عن حيز الأولاد ويدخل في حيز الآباء حتى يسمى أبا فلان لا ولد فلان في المتعارف لان عنده يصير من أهل العلوق فكان الاحتلام علما على البلوغ وإذا ثبت أن البلوغ يثبت بالاحتلام يثبت بالانزال لان ما ذكرنا من المعاني يتعلق بالنزول لا بنفس الاحتلام الا أن الاحتلام سبب لنزول الماء عادة فعلق الحكم به وكذا الاحبال لأنه لا يتحقق بدون الانزال عادة فإن لم يوجد شئ مما ذكرنا فيعتبر البلوغ بالسن وقد اختلف العلماء في أدنى السن التي يتعلق بها البلوغ قال أبو حنيفة رضي الله عنه ثماني عشرة سنة في الغلام وسبع عشرة في الجارية وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله خمس عشرة سنة في الجارية والغلام جميعا وجه قولهم إن المؤثر في الحقيقة هو العقل وهو الأصل في الباب إذ به قوام الأحكام وإنما الاحتلام جعل حدا في الشرع لكونه دليلا على كمال العقل والاحتلام لا يتأخر عن خمس عشر سنة عادة فإذا لم يحتلم إلى هذه المدة علم أن ذلك لآفة في خلقته والآفة في الخلقة لا توجب آفة في العقل فكان العقل قائما بلا آفة فوجب اعتباره في لزوم الأحكام وقد روى عن سيدنا عمر رضي الله عنه انه عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم غلام وهو ابن أربع عشرة سنة فرده وعرض وهو ابن خمس عشرة فأجازه فقد جعل عليه الصلاة والسلام خمس عشرة حدا للبلوغ ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن الشرع لما علق الحكم والخطاب الاحتلام بالدلائل التي ذكرناها فيجب بناء الحكم عليه ولا يرتفع الحكم عنه ما لم يتيقن بعدمه ويقع اليأس عن وجوده وإنما يقع اليأس بهذه المدة لان الاحتلام إلى هذه المدة متصور في الجملة فلا يجوز إزالة الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع الاحتمال على هذا أصول الشرع فان حكم الحيض لما كان لازما في حق الكبيرة لا يزول بامتداد الطهر ما لم يوجد اليأس ويجب الانتظار لمدة اليأس لاحتمال عود الحيض وكذا التفريق في حق العنين لا يثبت ما دام طمع الوصول ثابتا بل يؤجل سنة لاحتمال الوصول في فصول السنة فإذا مضت السنة ووقع اليأس الآن يحكم بالتفريق وكذا أمر الله سبحانه وتعالى باظهار الحجج في حق الكفار والدعاء إلى الاسلام إلى أن يقع اليأس عن قبولهم فما لم يقع اليأس لا يباح لنا القتال فكذلك ههنا ما دام الاحتلام يرجى يجب الانتظار ولا يأس بعد مدة خمس عشرة إلى هذه المدة بل هو مرجو فلا يقطع الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع رجاء وجوده بخلاف ما بعد هذه المدة فإنه لا يحتمل وجوده بعدها فلا يجوز اعتباره في زمان اليأس عن وجوده ( وأما ) الحديث فلا حجة فيه لأنه يحتمل انه أجاز ذلك لما علم عليه الصلاة والسلام انه احتمل في ذلك الوقت ويحتمل أيضا أنه أجاز ذلك لما رآه صالحا للحرب محتملا له على سبيل الاعتياد للجهاد كما أمرنا باعتبار سائر القرب في أول أوقات الامكان والاحتمال لها فلا يكون حجة مع الاحتمال وإذا أشكل أمر الغلام المراهق في البلوغ فقال قد بلغت يقبل قوله ويحكم ببلوغه وكذلك الجارية المراهقة لان الأصل في البلوغ هو الاحتلام على ما بينا وأنه لا يعرف الا من جهته فالزمت الضرورة قبول قوله كما في الاخبار عن الطهر والحيض والله سبحانه وتعالى أعلم ( وأما ) المجنون فلا يزول الحجر عنه الا بالإفاقة فإذا أفاق رشيدا أو سفيها فحكمه في ذلك حكم الصبي وقد ذكرناه ( وأما ) الرقيق فالحجر يزول عنه بالاعتاق مرة وبالاذن بالتجارة أخرى الا أن الاعتاق يزيل الحجر عنه على الاطلاق والاذن بالتجارة لا يزل الا في التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع ( وأما ) السفيه فلا حجر عليه عن التصرف أصلا عند أبي حنيفة رضي الله عنه فلا يتصور الزوال ( وأما ) على مذهبهم فزواله عند أبي يوسف بضده وهو الاطلاق من القاضي فكما لا ينحجر الا بحجره