مَوْجُودا بِذَاتِهِ بل لَا رب إِلَّا الله وَلَا إِلَه غَيره والإله هُوَ المعبود الَّذِي يسْتَحق أَن يحب لذاته ويعظم لذاته كَمَال الْمحبَّة والتعظيم وكل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ فطر الْقُلُوب على أَنه لَيْسَ فِي محبوباتها ومراداتها مَا تطمئِن إِلَيْهِ إِلَّا الله وَحده وَإِن كل مَا أحبه المحبوب من مطعوم وملبوس ومنظور وملموس يجد من نَفسه وَإِن قلبه يطْلب شَيْئا سواهُ وَيُحب أمرا غَيره يتألهه ويصمد إِلَيْهِ ويطمئن إِلَيْهِ وَيرى مَا يُشبههُ من هَذِه الأجناس وَلِهَذَا قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابه الرَّعْد أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب وَفِي الصَّحِيح عَن عِيَاض بن حمَار عَن النَّبِي ( صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ) عَن الله قَالَ إِنِّي خلقت عبَادي حنفَاء فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِين وَحرمت عَلَيْهِم مَا أحللت لَهُم وأمرتهم ان يشركوا بِي مَا لم أنزل بِهِ سُلْطَانا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ( صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ) أَنه قَالَ كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ويمجسانه كَمَا نتنتج الْبَهِيمَة بَهِيمَة جَمْعَاء هَل تُحِسُّونَ فِيهَا من جَدْعَاء ثمَّ يَقُول أَبُو هُرَيْرَة اقْرَءُوا إِن شِئْتُم الرّوم فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تبيدل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم وَأَيْضًا فَكل مَا فطرت الْقُلُوب على محبته من نعوت الْكَمَال فَالله هُوَ الْمُسْتَحق لَهُ على الْكَمَال وكل مَا فِي غَيره من مَحْبُوب فَهُوَ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَهُوَ الْمُسْتَحق لِأَن يحب على الْحَقِيقَة والكمال وإنكار محبَّة العَبْد لرَبه هُوَ فِي الْحَقِيقَة إِنْكَار لكَونه إِلَهًا معبودا كَمَا أَن إِنْكَار محبته لعَبْدِهِ يسْتَلْزم إِنْكَار مَشِيئَته وَهُوَ يسْتَلْزم إِنْكَار كَونه رَبًّا خَالِقًا فَصَارَ إنكارها مستلزما لإنكار كَونه رب الْعَالمين ولكونه إِلَه الْعَالمين وَهَذَا هُوَ قَول أهل التعطيل والجحود وَلِهَذَا اتّفقت الأمتان قبلنَا على مَا عِنْدهم من مأثور وَحكم عَن مُوسَى وَعِيسَى أَن أعظم الْوَصَايَا أَن تحب الله بِكُل قَلْبك وعقلك وقصدك وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الحنيفية مِلَّة إِبْرَاهِيم الَّتِي هِيَ أصل شَرِيعَة التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وإنكار ذَلِك هُوَ مَأْخُوذ من مقَال الصابئين أَعدَاء إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَمن وافقهم على ذَلِك من متفلسف أَو مُتَكَلم أَو متفقه أَخذه عَن هَؤُلَاءِ وَظهر ذَلِك فِي القرامطة الباطنية من الإسماعيلية وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل إِمَام الحنفاء الشُّعَرَاء أَفَرَأَيْتُم
مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين وَقَالَ أَيْضا الْأَنْعَام لَا أحب الآفلين وَقَالَ تَعَالَى الشُّعَرَاء يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم وَهُوَ السَّلِيم من الشّرك وَأما قَوْلهم إِنَّه لَا مُنَاسبَة بَين الْمُحدث وَالْقَدِيم توجب محبته لَهُ وتمتعه بِالنّظرِ إِلَيْهِ فَهَذَا الْكَلَام مُجمل فَإِن أرادوا بالمناسبة أَنه لَيْسَ بوالد فَهَذَا حق وَإِن أَرَادوا أَنه لَيْسَ بَينهمَا من الْمُنَاسبَة
أمراض القلوب وشفاؤها — صفحة 71
مساهمون: ابن تيمية
ص٧١