يكون مُعَارضا لَهُ أَو مفتديا مِنْهُ لَا يكون محبا لَهُ وَلَا يُقَال إِن هَذَا يُحِبهُ ويفسر ذَلِك بمحبة طَاعَته وعبادته فَإِن محبَّة الْمَقْصُود وَإِن استلزمت محبَّة الْوَسِيلَة أَو غير محبَّة الْوَسِيلَة فَإِن ذَلِك يَقْتَضِي أَن يعبر بلفظين محبَّة الْعِوَض والسلامة عَن محبَّة الْعَمَل أما محبَّة الله فَلَا تعلق لَهَا بِمُجَرَّد محبَّة الْعِوَض أَلا ترى أَن من اسْتَأْجر أَجِيرا بعضو لَا يُقَال إِن الْأَجِير يُحِبهُ بِمُجَرَّد ذَلِك بل قد يسْتَأْجر الرجل من لَا يُحِبهُ بِحَال بل من يبغضه وَكَذَلِكَ من افتدى نَفسه بِعَمَل من عَذَاب معذب لَا يُقَال إِنَّه يُحِبهُ بل يكون مبغضا لَهُ فَعلم أَن مَا وصف الله بِهِ عباده الْمُؤمنِينَ من أَنهم يحبونه يمْتَنع أَن يكون مَعْنَاهُ مُجَرّد محبَّة الْعَمَل الَّذِي ينالون بِهِ بعض الْأَغْرَاض المحبوبة من غير أَن يكون رَبهم محبوبا أصلا وَأَيْضًا فَلفظ الْعِبَادَة مُتَضَمّن للمحبة مَعَ الذل كَمَا تقدم وَلِهَذَا كَانَت محبَّة الْقلب للبشر على طَبَقَات أَحدهَا العلاقة فَهُوَ تعلق الْقلب بالمحبوب ثمَّ الصبابة وَهُوَ انصباب الْقلب إِلَيْهِ ثمَّ الغرام وَهُوَ الْحبّ اللَّازِم ثمَّ الْعِشْق وَآخر الْمَرَاتِب هُوَ التتيم وَهُوَ التَّعَبُّد للمحبوب والمتيم المعبود وتيم الله عبد الله فَإِن الْمُحب يبْقى ذَاكِرًا معبدًا مذللا لمحبوبه وَأَيْضًا فاسم الإنابة إِلَيْهِ يَقْتَضِي الْمحبَّة أَيْضا وَمَا أشبه ذَلِك من الْأَسْمَاء كَمَا تقدم وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الَّذِي قَالُوهُ حَقًا من كَون ذَلِك مجَازًا لما فِيهِ من الْحَذف والاضمار فالمجاز لَا يُطلق إِلَّا بِقَرِينَة تبين المُرَاد وَمَعْلُوم أَن لَيْسَ فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله مَا يَنْفِي أَن يكون الله محبوبا وَأَن لَا يكون المحبوب إِلَّا الْأَعْمَال لَا فِي الدّلَالَة الْمُتَّصِلَة وَلَا الْمُنْفَصِلَة بل وَلَا فِي الْعقل أَيْضا فَمن عَلَامَات الْمجَاز صِحَة إِطْلَاق نَفْيه فَيجب أَن يَصح إِطْلَاق القَوْل بَان الله لَا يحب وَلَا يحب كَمَا أطلق إمَامهمْ الْجَعْد بن دِرْهَم أَن الله لم يتَّخذ إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَلم يكلم مُوسَى تكليما وَمَعْلُوم أَن هَذَا مُمْتَنع بِإِجْمَاع الْمُسلمين فَعلم دلَالَة الْإِجْمَاع على أَن هَذَا لَيْسَ مجَازًا بل هِيَ حَقِيقَة وَأَيْضًا فقد فرق بَين محبته ومحبة الْعَمَل لَهُ فِي قَوْله التَّوْبَة أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله كَمَا فرق بَين محبته ومحبة رَسُوله فِي قَوْله أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله فَلَو كَانَ المُرَاد بمحبته لَيْسَ إِلَّا محبَّة الْعَمَل لَكَانَ هَذَا تكريرا أَو من بَاب عطف الْخَاص
على الْعَام وَكِلَاهُمَا على خلاف ظَاهر الْكَلَام الَّذِي لَا يجوز الْمصير إِلَيْهِ إِلَّا بِدلَالَة تبين المُرَاد وكما أَن محبته لَا يجوز أَن تفسر بِمُجَرَّد محبَّة رَسُوله فَكَذَلِك لَا يجوز تَفْسِيرهَا بِمُجَرَّد محبَّة الْعَمَل وَإِن كَانَت محبته تَسْتَلْزِم محبَّة رَسُوله ومحبة الْعَمَل لَهُ وَأَيْضًا فالتعبير بمحبة الشَّيْء عَن مُجَرّد محبَّة طَاعَته لَا عَن محبَّة نَفسه أَمر لَا يعرف فِي اللُّغَة لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا فَحمل الْكَلَام عَلَيْهِ تَحْرِيف مَحْض وَقد قَررنَا فِي مَوَاضِع من الْقَوَاعِد الْكِبَار أَنه لَا يجوز أَن يكون غير الله محبوبا مرَادا لذاته كَمَا لَا يجوز أَن يكون غير الله
أمراض القلوب وشفاؤها — صفحة 70
مساهمون: ابن تيمية
ص٧٠