تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
ما تقتضيه من معناها كذلك ، ولا تعارض بين المقصدين ، والإيجاز مقتض حصول المعنيين فجئ بما يحرزهم بأوجز لفظ وأبلغ عبارة ، والله أعلم . فإن قلت : فإن التعبير " بعند " قد ورد من الضرب العام من الغيب قال تعالى : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ) ( الأنعام : 59 ) ، وهي استعارة عبر بها عن التوصل للغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفاتح إلى المغيب عن الإنسان مما لا يصل إليه من ليست عنده مفاتحه ، وقد دخل ذلك تحت حكم " عند " ومقتضاها من الاختصاص ، مع أن الآية لم يرد فيها خصوص على علم الساعة على ما تقدم . فالجواب أن هذا مما يزيد ما تقدم وضوحاً إذ قد تبين قبل أن المراد من ذكر الغيب في كتاب الله ضربان . أحدهما خاص وهو المراد في سورة الجن وغنه لا مطمع لأحد من الخلق في الوصول إلى شئ منه على ما مر في ذكر الآية ، والثاني عام على ما تقدم والوصول إلى علمه علم استيفاء وحصر بجزئياته مقدراً وغاية وتيقنا لذلك كله جملة وتفصيلا ممنوع ، فهو لاحق من هذه الجهة بخصوص الضرب الأول ، فلا يحيط بعلمه على ما تبين إلا الله تعالى ، فحق لهذا الضرب إذا أريد به ما ذكرنا من الدخول تحت حكم " عند " وهو المراد بهذه الآية ، ألا تري أنها مفصحة بذلك في قوله تعالى : ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) ( الأنعام : 59 ) فقد وفت هذه الآية بتفاصيل المغيبات وحصرها والإحاطة بها بكل جهاتها ولا يعلمها على ذلك إلا الله سبحانه . ولنتبع هذا بكلام من تعرض لبسط المراد من آية الجن فأقول : وقع في التفسير المنسوب لفخر الدين أبي الفضل بن الخطيب رحمه الله ، بعد تقرير مفهوم آية سورة الجن وأن أراد وأن المراد بها ما تقدم من التخصيص ، فقال في رده على الزمخشري ومن قال بقوله في إنكار كرامات الأولياء واستجراره مع ذلك إنكار التكهن والتنجيم وما يرجع إلى هذا ، ودعواه أن هذا نص القرآن تعلقاً بهذه الآية ، فقال أبو الفضل رداً على من ذكرت : واعلم أنه لابد من القطع بأن ليس مراد الله من هذه الآية أنه لا يطلع أحداً على شئ من المغيبات إلا الرسل ، بدليل ما ثبت من الأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحاً كانا كاهنين ، وإخبارهما بظهور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ( وتعيين زمانه ، وشهرتهما بهذا العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرف أخبار نبينا صلى الله عليه وسلم ) ، فثبت أنه تعالى قد يطلع على ما يشاء من الغيب غير الرسل . ودليل ثان وهو أن جميع أرباب الملل والأديان مطبقون على صحة التعبير ، وأن المعبر يخبر عن وقوع الأشياء الآتية في المستقبل فتقع كما أخبر . ودليل ثالث وهو أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن