تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
بالجزئيات فالمتصف به ليس بعالم غيب على الحقيقة ، وبهذه الصفة القاصرة هو العلم الموجود عند الكهان وغيرهم ممن لم يستمد من الوحي ، وما تسلمه الشريعة ، فنفى الاتصاف بعلم الغيب عمن عري عن التيقن أو من لم يحط علمه بجزئيات ما يعلمه ولم يستوفه وجه واضح ، والإطلاق بأنه ليس عالماً بالغيب إطلاق صحيح ، ثم إن القول بأنه مخير بغيب وبعض تفاصيل عن مغيبات غير معارض ولا متناقض ، فلا يلزم على ذلك اعتراض بعلم شق وسطيح وما أخبرا به ، لأنهما وإن أخبرا بعجائب وتفاصيل فقد فاتهما غير ذلك من جزئيات في معلومهما الذي أخبرا به لم يخبرا بها ولا أحاطا بعلمهما . وكذا غيرهما من الكهان والمنجمين ، فقد وضح محمل آيات العموم . وأما آية سورة الجن فمحملها على الخصوص كما تقدم ، ومما يزيد ذلك وضوحاً ويعضد ما قدمنا من المفهوم في الضربين أن الله سبحانه لما ذكر المغيبات الخمس فقال : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ) ( لقمان : 34 ) إلى آخرها أفرد علم الساعة بقوله : ( إن الله عنده علم الساعة ) ، وعبارة : " عند " تقتضى بوضعها خصوصاً وقرباً وتمكنا ، وكذا أورد تعالى هذا الإخبار حيث تكرر قال تعالى بعد : ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ) ( الأعراف 187 ) ، وقال تعال : ( وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 25 ) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) ( الملك : 25 - 26 ) ، فجرى هذا الإخبار مقيداً بعبارة " عند " حيث تكرر ولم يشترك معها في آية لقمان ما ذكر بعدها في الدخول تحت حكم " عند " وما تقتضيه من الخصوص بل قال تعالى : ( وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ) ( لقمان : 34 ) إلى ما بعده فتفصيل هذا الإخبار والتفصيل في نظم الآية يفهم منع التساوي ، ولا شك أن عدم اعتبار الجزئيات في تركيب الألفاظ يؤدي إلى عدم فهم ما انتظم منها . فإن قيل : إنما ورد بعد ذكر الساعة من قوله تعالى : ( وينزل الغيث ) إلى ما بعد مفصولاً عن حكم " عند " ليفهم التكرار ، إذ المعلوم أن تكرر نزول الغيث - مهما كانت الحاجة إيه - هو عين الإنعام والإحسان إلى العباد ، فلهذا ورد بلفظ يقتضي التكرر وهو لفظ المستقبل من الفعل ، فأحرز بذلك هذا الإنعام العظيم والتذكير به ، فهو كالوارد في قوله تعالى : ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ ) ( ص : 18 ) ( ولم يقل ) مسبحات ، وقال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ) ( الملك : 19 ) ، وهذا كثير فالإحراز ورد تفصيل الإخبار . قلت : قصد هذا المعنى بين الإمكان وإحراز - عند -