تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
اصْطَفَى ) ( النمل : 59 ) ، إلى قوله : ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ( النمل : 64 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف فيما أعقبت به كل آية منها وإبداء التناسب في ذلك ؟ والجواب ، والله أعلم : أن الآية الأولى لما نبهوا فيها ذكروا بما تشهد العقول بديهياً وتعترف بدلالته - إذ لا إشكال فيه - من أن السماوات والأرض تشهد بإحكام منعتها ، وإتقان خلقها ، وما أودع سبحانه فيها من العجائب والآيات المشاهدة للعيان ، مع انسحاب التغير على جميعها وعلى ما فيها ، بأن لها موجوداً أوجدها وأحكم صنعتها وإتقانها ، وأنه لا يمكن أن أوجدت أنفسها ولا أوجدها غيرها مما يماثلها في شواهد الافتقار وانسحاب التغير ، وذلك ما لا تنفك عنه سائر الموجودات فيشهد العقل بأن لها موجداً من غير جنسها متعالياً عن شبهها . إذ لو شبهها لافتقر إلى موجد آخر ، فلبيان الأمر ما أعقبت هذه الآية الأولى بقوله : ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) ( النمل : 60 ) ، أي أن الأمر غير خاف ولكنهم يعدلون عنه ، وكذا قيل لهم في دعائهم إلى الإيمان في أول سورة البقرة حين ذكروا بقوله : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ . . . ) ( البقرة : 21 ) إلى قوله : ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( البقرة : 22 ) ، فهذا كقوله : ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) من غي فرق ، لما ذكروا في الموضعين بخلق السماوات والأرض ، وإنزال الماء من السماء ، وإخراج الثمرات ، وإنبات الحدائق العجيبة ، وكانوا يتعرفون بخلقه سبحانه جميع ذلك ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ( العنكبوت : 61 ) ، ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ( العنكبوت : 63 ) ، فاعترافهم بهذا ثم يجعلون له تعالى الند والشريك عدول واضح بعد قيام الحجو عليهم ، فقيل هنا : ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ) . ثم لما ذكروا بما هو أخفى في قوله تعالى : ( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا ) ( النمل : 61 ) ، فإن تمهيد الأرض للسكني ، وتفجير الأنهار خلالها ، وحجز ما بين العذب والمالح من مياهها ، ليس مما ظهور الاعتبار به وبيانه في الجلاء والوضوح كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء إلى ما في الآية ، فلما كان التذكير بما في الآية الثانية أخفى أُعقب هذا بقوله : ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ( النمل : 61 ) ، ثم تدرج الاعتبار إلى ما هو أخفى فقيل : ( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ) ( النمل : 62 ) ، وخفاء الاعتبار بهذا واضح ، ولا يحصل عليه إلا من أمعن النظر فيما تقدم قبله ، فأعقب هذا لخفائه بقوله : ( قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ) ( النمل : 62 ) ، ثم أعقب بما لا يمكن أن
ملاك التأويل — صفحة 381 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي