تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
كذبوك يا محمد ، فهذا كله توبيخ للجاحدين والمعاندين ، وتأمل ما افتتحت به السورة من قوله : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ( الزخرف : 3 ) ، والتعقل لا يستلزم الاهتداء والإيمان ، ألا ترى قوله تعالى : ( أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ( البقرة : 75 ) ، فأين موقع قوله : ( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) من قوله : ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) و ( لَعَلَّكُمْ تُفِلحُونَ ) و ( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ؟ فتدبر ذلك يلح لك الفرق ، فناسب هذا ما ينبئ عن الخلق والاختراع من غير زيادة ، فعبر هنا بجعل . وأيضاً فقد اكتنف لفظ جعل في الزخرف قوله : ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ( الزخرف : 3 ) ، وقوله بعدها : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ) ( الزخرف : 12 ) ، فناسب هذا ذكر الجعل ، ولم يناسب هنا هذه المناسبة لفظ سلك ، فجاء كل على ما يجب ويناسب ، والله أعلم . الآية السادسة من سورة طه : غ - قوله تعالى : ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) ( طه : 112 ) ، وفي سورة الأنبياء : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ) ( الأنبياء : 94 ) ، فوردت آية طه منسوقة على ما قبلها بالواو ، والثانية بالفاء المقتضية في مثل هذا استئناف التفصيل مع بنائه على ما قبله بمقتضى الفاء ، ثم أعقب الأولى بقوله : ( فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) والثانية بقوله : ( فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ) ومقصود الآيتين واحد ، فللسائل أن يسأل عن الفرق ؟ والجواب عن الأول : أن قوله : ( ومن يعمل ) بواو النسق ورد في مقابلة ما تقدمه من المعنى الحاصل من قوله : ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) ( طه : 111 ) وقد خاب من حمل ظلماً لأن عنت الوجوه ذلتها في القيامة ، ومنه قولهم : العاني للأسير ، فمن حمل ظلماً خاب وخسر ، ومن قدم خيراً وعمل صالحاً فر يخاف ظلماً أي زيادة في سيئاته ، ولا هضماً أي نقصاً في حسناته ، وهذا معنى الكلام ، والله أعلم ، فهذا موضع الواو ولا مدخل فيه للفاء . أما قوله في الأنبياء : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ) ( الأنبياء : 94 ) فافتتح تفصيل أحوال الفريقين لما قال تعالى : ( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) ( الأنبياء : 93 ) ، والمراد اختلافهم وافتراقهم في المذاهب والأديان ، ابتع ذلك تعالى ببيان حال المحسن والمسيء في افتراقهم ، فاستؤنف تفصيل جزائهم فقال : ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ) ( الأنبياء : 94 ) إلى ما بعد وفي قوله تعالى : ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ