الْعَالَمِينَ ) بإضافة اسمه سبحانه ( إلى العالمين ) ليحصل منه أنه مالك الكل وأنهم تحت قهره تعالى وفي قبضته ، وعدل عن الإضافة إلى ضمير الخطاب إذ لم يقصد هنا ما تقدم من التلطف ، ونظير الوارد في هاتين الآيتين قوله تعالى في سورة الأنعام : ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ) ( الأنعام : 137 ) ، فقف على ذلك في سورة الأنعام ، وقد تبين جليل النظم وعلي التناسب في كل ما تقدم ، وأن عكس الوارد في هذه الآي لا يناسب ، والله سبحانه أعلم .
الآية الخامسة من سورة طه : غ - قوله تعالى : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا ) ( طه : 53 ) ، وقال في سورة الزخرف : ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ( الزخرف : 10 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه الاختلاف بين سلك وجعل ؟ ووجه اختصاص كل من السورتين بما ورد فيها ؟
والجواب عن ذلك : أن العبارتين في السورتين معناهما متقارب وهو ما هيأه سبحانه لعباده من المذكور في قوله : ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) ( الملك : 15 ) ، والمراد ( بسلك ) وجعل ما خلق وذلل سبحانه منها وهيأه لتصرفنا في معايشنا ومنافعها .
والجواب عن الثاني أن اختصاص كل واحدة من العبارتين بموضعها في آية طه مقصود بها التلطف بالدعاء إلى الله ( عز وجل ) على ما تقدم من أمره تعالى لموسى وهارون ، عليهما السلام ، في قوله : ( ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ) ( طه : 44 ) ، فلما بني الكلام على هذا وأعقب بقوله : ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ) ( طه : 53 - 54 ) ، - ولا إشكال في أن هذا من التلطف والرفق في الدعاء - ناسب ذلك العبارة بسلك عما أنهج تعالى من السبل ولاطرق لمرافق العباد ومصالحهم ، وهي منبئة عما تعطيه جعل في الآية الأخرى مع زيادة الوضوح وكمال التهيئة ، فهي أنسب لما قصد في هذه السورة ، تقول : منهج سالك أي واضح ، ولو قلت مجعول لم يعط هذا المعنى من الوضوح . أما آية الزخرف فمبنية على توبيخ من كفر من العرب وترقيعهم ، ألا ترى قوله سبحانه : ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ ) ( الزخرف : 5 ) ، وقوله إخباراً عن مكذبي الأمم : ( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) ( الزخرف : 7 ) ، وقوله : ( فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا ) ( الزخرف : 8 ) أي من هؤلاء الذين
ملاك التأويل — صفحة 340
مساهمون: أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي
ص٣٤٠