تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملاك التأويل — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ) ( إبراهيم : 32 ) إلى قوله : ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) ( إبراهيم : 34 ) ، فناسب ما ذكره تعالى من توالي إنعامه ودرور إحسانه ومقابلة ذلك من العبيد بالتبديل وجعل الأنداد وصف الإنسان بأنه ظلوم كفار . أما آية النحل فلم يتقدمها غير ما نبه سبحانه وعباده المؤمنين من متوالي آلائه وإحسانه ، وما ابتدأهم ( به ) من نعمة من لدن قوله : ( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) ( النحل : 4 ) ، ثم توالت ( أيات ) الامتنان والإحسان فقال تعالى : ( وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ ) ( النحل : 5 ) ، فذكر تعالى بعضاً وعشرين من أمهات النعم إلى قوله منبهاً وموقظاً من الغفلة والنسيان : ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) ( النحل : 17 ) ، ثم أتبع بقوله سبحانه : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) ( النحل : 18 ) ، فناسب ختام هذا قوله : ( إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( النحل : 18 ) فجاء كل على ما يناسب ، والله أعلم . الآية الرابعة : غ - قوله تعالى : ( هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ( إبراهيم : 52 ) ، وفي سورة ص : ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ( ص : 29 ) ، للسائل أن يسأل عن وجه اختصاص آية إبراهيم بقوله : ( ليذكر ) وآية ص بقوله : ( ليتذكر ) بتاء التفعيل ؟ والجواب ، والله أعلم : أن كلا الموضعين حاصل فيه التناسب ، أما آية ص ففي قوله ( ليدبروا ) حرفان من الحروف الشديدة وهما الباء والدال وثانيهما مضعف فنسق عليهما قوله : ( وليتذكر ) وفيه أيضاً حرفان من حروف الشدة وهما الكاف والتاء وثانيهما مضعف ، والتناسب بهذا واضح . وأما آية إبراهيم فورد فيها : ( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا ) ، وقد عربت الكلمتان من حروف الشدة وإنما جميعها من الرخوة وهي ضد الشديدة ، فناسبها عطفاًعليها قوله : ( وليذكر ) إذ ليس فيه من الحروف الشديدة غير الكاف ، وأيضاً فإن يذكر ويتذكر معناهما واحد ، والأصل للمدغم مفكوكة ، فلفظ يذكر ثان عن يتذكر ، وهو أكثر استعمالاً وأخف لفظاً ، فقدم في سورة إبراهيم وأخر الأثقل في سورة ص على الترتيب المتقرر ، على ما تقدم في قوله تعالى : ( هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ ) ( البقرة : 38 ) في البقرة وقوله : ( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ) ( طه : 123 ) في سورة طه . وقد تقدم من هذا نظائر ، وسيأتي أمثالها ، واطراد ذلك شاهد برعيه ، فحصل التناسب اللفظي من هذين الوجهين ، وإن عكس الوارد لا يناسب والله أعلم . * * * * * * *
ملاك التأويل — صفحة 288 | أحمد بن ابراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي / عبد الغني محمد علي الفاسي