صَفَاءَ حُسْنِ دُرِّهَا وَكَأَنَّمَا النُّورُ أُسْكِنَ بَيْنَ مَفَارِقِ شَعْرِهَا إِذَا خَطَتْ خِلْتَ الْمِسْكَ يَفُورُ من أذيالها والعنبر الأشهب من بَيْنَ حُلَلِهَا فَمَنْ يَصِفُهَا
مُلْتَحِفَةً فوق أكاليلها إذا اعتجرن بِالْأَرْدِيَةِ وَرِبَاطِ نُورِهَا وَرَفَلَتْ بَيْنَهُنَّ لترقى على سريرها تتهادى بينهن وَتَسْحَبُ أَطْرَافَ ذَوَائِبِهَا وَتَمِيلُ وَتَرْنَحُ بَيْنَ كِرَامِ وُصَائِفِهَا وَتَصْعَدُ إِلَى الْمَحْبُورِ فَوْقَ سَرِيرِ مُلْكِهَا فَتُعَانِقُهُ وَيُعَانِقُهَا عُمْرَ الدُّنْيَا لَا يَمَلُّهَا كَلَّا وَرَبِّي بَلْ يَزْدَادُ عَجَبًا بها كلما أطال اعتناقه لها لِأَنَّهَا تُضَاعَفُ حُسْنًا فِي عَيْنِهِ وَيُضَاعَفُ حُسْنًا فِي عَيْنِهَا فَكَيْفَ إِذَا نَازَعَهَا كَأْسَ مَعِينٍ عَلَى أنهارها وحيته بضبائر ريحان مضمخة بَعَنْبَرِهَا وَأَتَاهُ رَسُولٌ مِنْ رَبِّهِ عز وجل بتحفة فجيء بِهَا ضَجِيعَة وَهَمَّ بِشَهْوَةٍ فَصَارَتْ فِي فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا وَأَحَبَّ أُخْرَى فَتَحَوَّلَتْ تِلْكَ عَلَى طَعْمِهَا وَخَطَرَتْ ثَالِثَةٌ فَوَجَدَ بَيْنَهُمَا لَذَّتَهَا فَلَمْ يَزَلْ طَعْمُ وَاحِدَةٍ مِنْ لَهْوَاتِهِ مِنْهُنَّ عَلَى حَالِهَا وَالْتَفَتَ إِلَى الرَّضِيَّةِ فَقَلَّبَ بِكَفِّهِ حُسْنَ كَفِّهَا وَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ فِي ضَوْءِ سَوَالِفِهَا وَهَمَّ بِكُسْوَةٍ فتفلقت أكمام شجر دَانِيَةٍ عَلَيْهَا وَتَطَايَرَتْ مِنْهَا الْحُلَلُ فَتَهْوِي إِلَيْهِمَا وَقَدْ حَازَ نَاظِرُهُ جميع ألوان كساها مَزِيَّةَ لَوْنِ الْأَلْوَانِ الَّتِي تَلِيهَا وَطَيُّ تِلْكَ الْأَعْكَانِ تُزَيِّنُ مَا عَلَيْهَا وَضَوْءُ النُّورِ يَتَلَأْلَأُ مِنْ أشفار عينها ويحسب النور يجري إذا اتكت في صدر بهوها ولجة تكفا هُنَاكَ مِنْ مَاءِ وَجْهِهَا
فَيَا مغرور يلهو أو لا يَرْغَبُ فِيهَا وَيَغْفَلُهَا جَهْلًا وَلَا يطيع باريها لَوْ كَانَ لِي عَزْمٌ لَذُبْتُ خَوْفًا وَحَرَقًا وَلَطَارَ قَلْبِي إِلَى الجنة تشوقا ولكني حليف أماني عَزْمِي غُرُورٌ عَمِيت عَمَّا نَظَرَ إليه المتقون الذين أخلصوا لله تَعَالَى عَزْمَ نِيَّاتِهِمْ وَصَدَقُوا فِي مجهول طَاعَتِهِمْ وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالْإِخْلَاصِ فِي أَعْمَالِهِمْ وَنَاطُوا التَّعَبَ بِالدَّأْبِ فِي صيامهم وأوصلوا لهيبته الْجُوعِ إِلَى أَجْوَافِهِمْ مَعَ خَشِنٍ قَاسَوْهُ عَلَى أَبْدَانِهِمْ وَحَمَوْا أَنْفُسَهُمْ عَنِ التَّمَتُّعِ بِمَا أُحِلَّ لَهُمْ وَيَمَّمُوا إِلَى خُلْدِ دَارِ نَظَرُوا إِلَى سُرُورِهَا بِأَبْصَارِ اعْتِبَارِهِمْ فَسَلَّمُوا جُفُونَ أَعْيُنِهِمْ عَلَى نَوَاظِرِ الْعُيُونِ وقد كحلوا بِمَضِيضِ السَّهَرِ وَسَلَوْا عَنِ الْغَمْضِ بِطُولِ الْفِكْرِ فِيمَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْأَهْوَالِ الْعِظَامِ وَالْأَخْطَارِ الْجِسَامِ فَاسْتَكَنَّتْ كنايز الْفِكْرِ فِي قُلُوبِهِمْ فَكَادَتْ تَتَفَطَّرُ عِنْدَمَا ازْدَحَمَ عَلَيْهَا مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْوَعِيدِ .
358 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الثَّقَفِيُّ قَالَ كَانَ عِيسَى بْنُ زَاذَانَ رُبَّمَا رَقَّ فِي مَجْلِسِهِ فَيَبْكِي وَيَضُمُّ إِلَيْهِ عَمَّارَ بْنَ الرَّاهِبِ ثُمَّ يَقُولُ بِصَوْتِهِ ذَلِكَ الْحَزِينِ
حَسْبُكَ يَا عَمَّارُ مِنْ دَارِ قلعة . . . جنان بها الخير أن يرفلن بالحلل
وَيَمْشِينَ هَوْنًا فِي الْجِنَانِ أَمَامَهُمْ . . . خِيَامٌ مِنَ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ فِي الحلل
إذا برزت حور حف بها البهاء . . . وَأَشْرَقَتِ الْفِرْدَوْسُ وَالْقَوْمُ فِي شُغُل
صفة الجنة — صفحة 229
مساهمون: ابن أبي الدنيا
ص٢٢٩