تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيح الأدب المفرد — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
352 / 977 - ( صحيح ) عن أبي مجلز قال : إِنَّ مُعَاوِيَةَ خَرَجَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قُعُودٌ ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ ، وَقَعَدَ ابْنُ الزُّبَيْرِ - وَكَانَ أَرْزَنَهُمَا - قَالَ مُعَاوِيَةُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ ( 1 ) عِبَادُ اللَّهِ قِيَامًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا مِنَ النَّارِ " .
هامش
( 1 ) أي : أن ينتصب الجالسون قياماً للداخل إليهم ؛ لإكرامه وتعظيمه ( فليتبوأ ) أمر بمعنى الخبر ، أي : دخل النار إذا سره ذلك ، هذا هو المعنى المتبادر من الحديث ، واحتجاج معاوية رضي الله عنه به على من قام له ، وأقره عبد الله بن الزبير ومن كان جالساً معه ، ولذلك فإني أقطع بخطأ من حمل الحديث على القيام له وهو قاعد ، كما في حديث جابر المتقدم ( 742 / 960 ) ففيه أن هذا من فعل فارس . أي : الأعاجم الكفار ، ولقد أحسن المؤلف رحمه الله بالترجمة له هناك ب - : " بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَقْعُدَ ويقوم له الناس " وترجم لحديث معاوية هنا ب - " " بَابُ قِيَامِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ تَعْظِيمًا " ، وهذا من فقهه ودقة فهمه رحمه الله ، ولم يتنبه له كثير من الشراح ، والذين تكلموا في معناه ، كقول ابن الأثير وغيره : أي : يقومون له قياماً ، وهو جالس " ! فحملوا معنى هذا الحديث على معنى هذا الحديث على معنى حديث جابر ، وهذا خلط عجيب كنت أود أن لا يقع فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ فإنه رحمه الله مع تقريره أن القيام للقادم خلاف السنة وما كان عليه السلف ، وقوه : " ينبغي لناس أن يعتادنا اتباع لاسلف " واحتج لذلك بحديث أنس المتقدم ( 728 / 946 ) ، ولم يفته رحمه الله أن ينبه أن الأصلح القيام للجائي إذا خشي من تركه وقوع مفسدة مثل التباغض والشحناء . وهذا من علمه وفقهه الدقيق جزاه الله خيراً ، ولكنه مع ذلك أتبعه بقوله : " وليس هذا [ هو ] القيام المذكور في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار " ؛ فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ، وليس هو أي : يقوموا لمجيئه إذا جاء . . . " ! كذا قال رحمه الله ، ولعل ذلك كان منه قبل تضلعه في علمه ، فقد رأيت تلميذه ابن القيم قد أنكر حمل الحديث هذا المحمل ، وهو قلما يخالفه ، فأظنه مما حمله عنه بعد ، فقال ابن القيم رحمه الله في " تهذيب السنن " ( 8 / 93 ) بعد أن ساق حديث جابر المشار إليه آنفاً : " وحمل أحاديث النهي عن القيام على مثل هذه الصورة ممتنع ، فإن سياقها يدل على خلافه ؛ ولأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ينهى عن القيام له إذا خرج عليهم ، ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا ؛ إنما هو من فعل فارس والروم ؛ ولأن هذا لا يقال له : قيام للرجل ؛ وإنما هو قيام عليه ، ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه ، والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم ، والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب ، وأحاديث الجواز تدل عليه فقط " . وهذا غاية التحقيق في هذه المسألة مع الإيجاز والاختصار ، فجزاه الله خيراً ، فعض عليه بالنواجذ ؛ فإنه مما يجهله كثير من الدعاة اليوم ، ويخالفه عملياً الأكثرون ، فاعتادوا خلاف ما كان عليه السلف ، حتى في مجالسهم الخاصة ، والله المستعان .