يقول : " ولولا أن يكون الناس أمةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضةٍ ومعارج عليهم يظهرون الآيات . فوجم الخليفة عبد الرحمن ونكس رأسه ملياً ، ودموعه تنحدر على لحيته خشوعاً وتذمما لما جرى ، ثم أقبل على منذر بن سعيدٍ ، وقال له : جزاك الله عنا وعن الدين خيراً ، وكثر في الناس أمثالك ! فالذي قلت ، والله ! والله هو الحق ! وقام من مجلسه ذلك يستغفر الله تعالى ، وأمر بنقض سقف القبة ، وأعاده قرمداً على صفةٍ غيرها .
ومن أخباره أن الناصر لدين الله أمره بالخروج للاستقاء ، فخرج واجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة ، بارزين إلى الله تعالى ، في جمع عظيمٍ ، ثم قام منذر بن سعيدٍ باكياً ، خاشعاً لله تعالى ، فخطب فقال : سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالةٍ ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ! ثم قال : " استغفروا ربكم إنه كان غفاراً " ، قال : فضج الناس بالبكاء ، وارتفعت أصواتهم بالاستغفار ، والتضرع إلى الله تعالى بالسؤال ، فما تم النهار حتى أرسل الله السماء بماءٍ منهمرٍ .
وكان رحمه الله ، على متانة دينه ، وجزالته في أحكامه ، حسن الخلق ، كثير الدعابة ، ربما ارتاب بباطنه من لا يعرفه ، حتى إذا رام أن يصيب من دينه ثار به ثورة الليث العادي ، قيل له : إن قوماً من جيران أحد المتحاكمين من أهل ربض الرصافة ، قد تألبوا معه على خصمه ، وأعانوه بشهادةٍ مدخولةٍ ، وهم غادرون بها عليك ! وكان كثيراً
صفة جزيرة الأندلس منتخبة من كتاب الروض العطار في خبر الأقطار — صفحة 141
مساهمون: محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
ص١٤١