. قَالَتْ : فَهَلْ فِي صَاحِبِكَ هَذَا مِنْ خَيْرٍ ؟ قُلْتُ : قُولِي مَا بَدَا لَكِ ؛ فَإِنِّي أَنْتَهِي إِلَى رَأْيِكِ , وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ ذَهَابُ نَفْسِي . فَخَلَعَتْ ثِيَابَهَا فَلَبِسْتُهَا , وَخَلَعْتُ ثِيَابِي فَلَبِسَتْهَا , ثُمَّ قَالَتْ : اذْهَبْ إِلَى بَيْتِي , فَادْخُلْ فِي سِتْرِي , فَإِنَّ زَوْجِي سَيَأْتِيكَ فَيَطْلُبُ مِنْكَ الْقَدَحَ يَحْلُبُ فِيهِ , ثُمَّ يَأْتِيكَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَلْبِ بِالْقَدَحِ مَلْآنَ لَبَنًا فَيَقُولُ : هَاكِ غَبُوقَكِ , فَلَا تَأْخُذْهُ مِنْهُ حَتَّى تُطِيلَ نُكْرَكَ عَلَيْهِ , ثُمَّ خُذْهُ أَوْ دَعْهُ حَتَّى يَضَعَهُ , ثُمَّ لَسْتَ تَرَاهُ حَتَّى يُصْبِحَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : فَذَهَبْتُ وَفَعَلْتُ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ , حَتَّى إِذَا جَاءَ بِالْقَدَحِ لِآخُذَهُ , فَلَمْ آخُذْهُ حَتَّى طَالَ نُكْرِي عَلَيْهِ , ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِآخُذَهُ وَهَوَى لِيَضَعَهُ فَاخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُهُ , فَانْكَفَأَ الْقَدَحُ وَانْدَفَقَ مَا فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ , فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الطَّمَّاحَ جَدَا . وَضَرَبَ بِيَدِهِ مُقَدَّمَ الْبَيْتِ فَاسْتَخْرَجَ سَوْطًا مَلْوِيًّا مِثْلَ الثُّعْبَانِ , ثُمَّ دَخَلَ فَهَتَكَ السِّتْرَ وَقَبَضَ عَلَيَّ , وَأَمْتَعَ السَّوْطَ مِنِّي , فَضَرَبَنِي تَمَامَ عِشْرِينَ أَنْ زَادَتْ قَلِيلًا أَوْ نَقَصْتُ قَلِيلًا , ثُمَّ جَاءَتْ أُمُّهُ وَأُخْتُهُ فَانْتَزَعَانِي مِنْ يَدِهِ , وَلَا وَاللَّهِ فَعَلَ بِي ذَلِكَ حَتَّى زَايَلَنِي عَقْلِي وَهَمَمْتُ أَنْ أَجِيئَهُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا الْمَوْتُ , فَلَمَّا خَرَجُوا سَدَدْتُ سِتْرِي وَقَعَدْتُ كَمَا كُنْتُ , فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أُمُّ جِيدٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ فَكَلَّمَتْنِي وَهِيَ تَحْسَبُنِي ابْنَتَهَا , وَانْبَعَثْتُ فِي الْبُكَاءِ وَالنَّحِيبِ , وَتَغَطَّيْتُ بِثَوْبِي وَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي , فَقَالَتْ : يَا بُنَيَّةِ , اتَّقِي اللَّهَ فِي نَفْسِكِ , وَلَا تَعَرَّضِي لِمَكْرُوهِ زَوْجِكِ , فَذَلِكَ أَوْلَى بِكِ , فَأَمَّا الْأَسِيرُ فَلَكِ آخِرَ الدَّهْرِ , وَخَرَجَتْ مِنْ عِنْدِي وَقَالَتْ : سَأُرْسِلُ إِلَيْكِ بِأُخْتِكِ تُؤْنِسِكِ اللَّيْلَةَ . فَلَبِثْتُ غَيْرَ مَا كَثِيرٍ فَإِذَا الْجَارِيَةُ قَدْ جَاءَتْ وَجَعَلَتْ تَبْكِي وَتَدْعُو عَلَى مَنْ ضَرَبَنِي , وَجَعَلْتُ لَا أُكَلِّمُهَا , ثُمَّ اضَّجَعَتْ إِلَى جَنْبِي , فَلَمَّا اسْتَمَكَنْتُ مِنْهَا شَدَدْتُ يَدِي عَلَى فَمِهَا وَقُلْتُ : يَا هَذِهِ , تِلْكَ أُخْتُكِ مِنَ الْأَسِيرِ , وَقَدْ قُطِعَ ظَهْرِي بِسَبَبِهَا اللَّيْلَةَ , وَأَنْتِ أَوْلَى بِالسِّتْرِ عَلَيْهَا , فَاخْتَارِي لِنَفْسِكِ وَلَهَا , فَوَاللَّهِ إِنْ تَكَلَّمْتِ بِكَلِمَةٍ لَأُصْبِحَنَّ أَنَا بِجُهْدِي حَتَّى تَكُونَ الْفَضِيحَةُ شَامِلَةً . ثُمَّ رَفَعْتُ عَنْ فِيهَا فَاهْتَزَّتْ كَمَا تَهْتَزُّ الْقَصَبَةُ مِنَ الْفَرَقِ , فَلَمْ أَزَلْ بِهَا حَتَّى آنَسَتْ , فَبَاتَتْ وَاللَّهِ مَعِي أَصْلَحَ
اعتلال القلوب — صفحة 405
مساهمون: أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السامري الخرائطي
ص٤٠٥