وهما لغتان فصيحتان . والتشديد « 1 » أكثر . والتخفيف « 2 » حسن مستعمل .
فإن قيل : لم خالف أبو عمرو أصله ، فخفف قوله : ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ « 3 » ؟
فقل : إن أبا عمرو فرّق بين البشارة والنضارة ، فما صحبته الباء « 4 » شدّد فيه ، لأنه من البشرى ، وما سقطت منه الباء خففه « 5 » ، لأنه من الحسن والنّضرة ، وهذا من أدل الدليل على معرفته بتصاريف الكلام ، غير أن التخفيف لا يقع إلّا فيما سرّ . والتشديد يقع فيما سرّ وضرّ .
فإن قيل : فما وجه قوله تعالى : وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ ؟ « 6 » فقل : كلّ فعل جاز فيه فعل وفعّل اعترض بينهما أفعل .
قوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُ « 7 » يقرأ بالنون والياء . فالحجّة لمن قرأه بالنون : أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه عاطفا به على قوله : « نُوحِيهِ إِلَيْكَ » .
فإن قيل : فالنون إخبار عن الجماعة ، فقل : هذه النون لا يخبر بها عن نفسه إلّا ذو الممالك والأتباع ، لأن من تحويه يده لا يخرج عن أمره ، فكان إخباره بالنون عن نفسه وعنهم . والحجّة لمن قرأ بالياء : أنه من أخبار الملك عن الله عز وجل بما يفعله به عطفا على قوله : كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ « 8 » .
قوله تعالى : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ « 9 » . يقرأ بكسر همزة ( إنّ ) ، وفتحها . فالحجة لمن كسر : أنه أضمر القول ، يريد ( ورسولا ) يقول : إني ، أو يبتدئها مستأنفا من غير إضمار . والحجة لمن فتح : أنه جعلها بدلا من قوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ « 10 » .
هامش
( 1 ) وهو قراءة عامة قراء أهل المدينة والبصرة وذلك على وجه تبشير الله زكريا بالولد من قول الناس : بشرت فلانا البشرى بكذا وكذا ، أي أتته بشارات البشرى بذلك .
( 2 ) وهو قراءة جماعة من قراء الكوفة بمعنى : أن الله يسرّك بولد يهبه لك ، من قول الشاعر :
بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة . . . أتتك من الحجّاج يتلى كتابها
انظر ( في الموضعين : تفسير الطبري 3 : 170 ، ص 171 ، المطبعة الأميرية .
( 3 ) الشورى : 23 .
( 4 ) يقصد إذا تعدى بالباء كقوله تعالى : يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ .
( 5 ) كقوله تعالى : ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ .
( 6 ) فصلت : 30 .
( 7 ) آل عمران : 48 .
( 8 ) آل عمران : 47 .
( 9 ) آل عمران : 49 .
( 10 ) آل عمران : 49 .