تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر ) — صفحة 455

مساهمون:

ص٤٥٥
المعاني ويرتِّبها في نفسه على ما أعلَمْناكَ ، ثم تُفتِّشه فتَراهُ لا يَعرِفُ الأمرَ بحقيقتِه ، وتَراه يَنظُر إلى حالِ السامعِ ، فإِذا رأى المعانيَ لا تقَعُ مرتَّبةً في نفسِه إلاَّ من بعْدِ أن تقَعَ الألفاظُ مرتَّبة في سَمعِه ، نسيَ حالَ نفسِه ، واعتَبَر حالَ مَنْ يمسع منه 1 . وسبَبُ ذلك قِصَرُ الهمةِ ، وضَعْفُ العنايةِ ، وتركُ النظرِ ، والأنسُ بالتقليد . وما يُغْني وضوحُ الدلالةِ مَعَ مَنْ لا ينظر فيها ، وإن الصبح لملأ الأفقَ ، ثم لا يَراه النائمُ ومَنْ قد أطْبَقَ جفْنَه ؟ كلام العلماء في الفصاحة أكثره كالرمز والتعريض دون التصريح : 539 - واعلمْ أنكَ لا تَرى في الدنيا عِلْماً قد جرى الأمرُ فيه بَديئاً وأخيراً على ما جرى عليه في " علمٍ الفصاحةِ والبيانِ " . اما البدئ ، فهو أنَّك لا تَرى نوعاً من أنواع العلوم إلا وإذا تأملت كلام الأولين الذي عَلَّموا الناسَ ، وجدْتَ العبارةَ فيه أكثرَ من الإِشارة ، والتصريحَ أغلبَ من التلويج . والأمرُ في " علمِ الفصاحةِ " بالضِّدِّ مِن هذا . فإِنك إِذا قرأتَ ما قالَه العلماءُ فيه ، وجدْتَ جُلَّه أو كُلَّهَ رمزاً ووَحْياً ، وكنايةً وتعريضاً ، وإيماءً إلى الغرض من وجْهٍ لا يَفْطِنُ له إلاَّ مَنْ غلغَلَ الفكْرَ وأدَّقَ النظَرَ ، ومَنْ يَرجعُ من طَبْعه إلى ألْمَعيَّةِ يَقْوى معها على الغامِض ، ويصلُ بها إلى الخفيِّ ، حتى كان بَسْلاً حَراماً أن تتجلَّى معانيهم سافرةَ الأوجُهِ لا نِقابَ لها 2 ، وباديةَ الصَّفحةِ لا حجابَ دونَها ، وحتى كأنَّ الإفصاحَ بها حَرامٌ ، وذكرَها إلاَّ على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ .
هامش
1 انظر ما سلف رقم : 492 . 2 في " س " : " بتلًا حرامًا " بالتاء ، وقد مضى مثل ذلك في آخر رقم : 441 .