أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا ، وبينه إذا كان اسما :
186 - وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضعَ كثيرةٍ 1 ، وظهرَ الأمرُ ، بأَنْ تَرى أحدَهما لا يصْلُح في موضعِ صاحبهِ ، وجَبَ أنْ تقضيَ بثُبوتِ الفرقِ حيثُ تَرى أَحدَهما قد صلُحَ في مكانِ الآخَرِ ، وتَعْلَم أنَّ المعنى مع أحدِهما غَيرُهُ مع الآخرِ ، كما هو العبرةُ في حَمْل الخَفيِّ على الجليِّ . وينعكسُ لك هذا الحكمُ أَعني أنك كما وجدْتَ الاسمَ يقَعُ حيثُ لا يَصلُح الفعلُ مكانه ، كذلك نجد الفِعْلَ يَقَعُ ثُم لا يَصلُحُ الاسمُ مكانَه ، ولا يؤدِّي ما كانَ يؤديه .
187 - فمن البَيِّنِ في ذلك قول الأعشى :
لعَمْري لقدْ لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ . . . إلى ضوءِ نارٍ في يَفاع تَحَرَّقُ
تُشَبُّ لِمَقْرورَين يَصْطَليانِها . . . وبات على النار الندى والمحلق 2
معلوم أن لو قيل : " إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة " 3 ، لَنَبا عنه الطبْعُ وأنكرَتْه النفسُ ، ثم لا يكونُ ذاك النبوُّ وذاك الإنكارُ من أجل القافية وأنها تُفْسَد به ، بل من جهةِ أنه لا يُشْبِهُ الغرَضَ ولا يليقُ بالحال .
188 - وكذلك قوله :
أوَ كُلّما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةُ . . . بَعثُوا إلىَّ عَريفَهُم يَتَوَسَّمَ 4
وذاك لأنَّ المعنى في بيتِ الأعشى على أنَّ هناك مُوقِداً يتجدَّدُ منه الإلهابُ والإشعالُ حالاً فحالاً ، وإذا قيل : " متحرِّقة " ، كان المعنى أن هناك نارًا قد
هامش
1 في المطبوعة وحدها : " بين الشيئين " .
2 في ديوان الأعشى . و " المحلق " بتشديد اللام وكسرها وبفتحها أيضًا ، واسمه " عبد العزى ابن خثم بن شداد بن ربيعة المجنون بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب " ، وسمى " المخلق " . لأن فرسًا عضه في خده عضة كالحلقة .
3 في " ج " و " س " : " محرقة " .
4 الشعر لطريف بن تميم العنبري ، في " الأصمعيات " رقم : 39 .