تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
وَيُسْتَحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ ، فَإِنْ نَكَلَ اقْتُصَّ مِنْهُ ( سم ) فِي الْأَطْرَافِ ، وَفِي النُّفُوسِ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ ( سم ) أَوْ يُقِرَّ ، وَإِنِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ ، وَتُغَلَّظُ بِأَوْصَافِهِ إِنْ شَاءَ الْقَاضِي ،
شرح
لَوِ اعْتَبَرْنَاهُ إِقْرَارًا يَكُونُ كَاذِبًا فِي إِنْكَارِهِ وَالْكَذِبُ حَرَامٌ ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ بَذْلًا وَإِبَاحَةً لَا يَكُونُ كَاذِبًا فَيُجْعَلُ بَاذِلًا صِيَانَةً لَهُ عَنِ الْحَرَامِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِحْلَافِ الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ لَا يُسْتَحْلَفُ ، وَيُسْتَحْلَفُ فِي السَّرِقَةِ إِنِ ادَّعَى الْمَالَ فَيُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَالُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ ، فَإِنْ نَكَلَ ضَمَّنَهُ الْمَالَ لِثُبُوتِهِ مَعَ الشُّبْهَةِ ، وَلَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ ، وَدَعْوَى الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَدَّعِيَ الْأَمَةُ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِ سَيِّدِهَا ، وَهَذَا ابْنُهَا مِنْهُ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ ، أَمَّا لَوِ ادَّعَى الْمَوْلَى لَا يَلْتَفِتُ إِلَى إِنْكَارِهَا ؛ لَأَنَّ الِاسْتِيلَادَ وَالنَّسَبَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ . وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِعُمُومِ الْبَلْوَى ، ثُمَّ عِنْدَهُمَا كُلُّ نَسَبٍ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى الْمَالِ كَالْبُنُوَّةِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّةِ يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ نَسَبٍ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَعْوَى الْمَالِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ لَا يُسْتَحْلَفُ إِلَّا إِذَا ادَّعَى بِسَبَبِهِ مَالًا أَوْ حَقًّا كَدَعْوَى الْإِرْثِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَنَحْوِهِ . قَالَ : ( وَيُسْتَحْلَفُ فِي الْقِصَاصِ ) بِالْإِجْمَاعِ . ( فَإِنْ نَكَلَ اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْأَطْرَافِ ، وَفِي النُّفُوسِ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ ) ، وَقَالَا : يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ فِيهِمَا ، لِأَنَّ النُّكُولَ إِقْرَارٌ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْقِصَاصُ ، فَيَجِبُ الْمَالُ سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْعَمْدَ وَالْآخَرُ الْخَطَأَ . وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَطْرَافَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ حَتَّى لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا دَلِيلُ الْبَذْلِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَطْعُ ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ ، وَالْبَذْلُ هَنَا مُفِيدٌ لِانْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ ، وَلَا كَذَلِكَ النَّفْسُ فَلَا يَجْرِي فِيهَا الْبَذْلُ ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْيَمِينُ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ يُحْبَسُ بِهَا كَمَا فِي الْقَسَامَةِ . قَالَ : ( وَإِنِ ادَّعَتْ عَلَيْهِ طَلَاقًا قَبْلَ الدُّخُولِ اسْتُحْلِفَ ) لِأَنَّهُ دَعْوَى مَالٍ . ( فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ ) لِمَا مَرَّ ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَتِ الصَّدَاقَ فِي النِّكَاحِ يُسْتَحْلَفُ ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى مَالٍ ، وَيَثْبُتُ الْمَالُ بِالنُّكُولِ دُونَ النِّكَاحِ وَقَدْ مَرَّ . ( وَالْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرُ ) قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَذَرَ » . ( وَتُغَلَّظُ بِأَوْصَافِهِ إِنْ شَاءَ الْقَاضِي ) ، وَقِيلَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْحَالِفِ وَصَلَاحِهِ وَخَوْفِهِ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقِيلَ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَقِلَّتِهِ ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَعِظَ الْحَالِفَ قَبْلَ الْحَلِفِ ، وَيُعَظِّمَ عِنْدَهُ حُرْمَةَ الْيَمِينِ ، وَيَتْلُوَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا } [ آل عمران : 77 ] الْآيَةَ ، وَيَذْكُرُ لَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى لِلَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ »