تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاختيار لتعليل المختار — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ الْمُضَارِبُ شَرِيكُ رَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ ، وَرَأْسُ مَالِهِ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ ، فَإِذَا سُلِّمَ رَأْسُ الْمَالِ إِلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ وَكِيلٌ ،
شرح
[ كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ ] ِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الضَّرْبِ ، وَهُوَ السَّيْرُ فِي الْأَرْضِ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ } [ النساء : 101 ] الْآيَةَ ، وَسُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّصَرُّفِ مُضَارَبَةً ; لِأَنَّ فَائِدَتَهُ وَهُوَ الرِّبْحُ لَا تَحْصُلُ غَالِبًا إِلَّا بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ ، وَهِيَ بِلُغَةِ الْحِجَازِ مُقَارَضَةٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْمُضَارَبَةَ لِمُوَافَقَتِهِ نَصَّ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } [ المزمل : 20 ] أَيْ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ ، وَهُوَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ بِالْآيَةِ وَبِالسُّنَّةِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ « أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ يَدْفَعُ مَالَهُ مُضَارَبَةً ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى مُضَارِبِهِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ بَحْرًا وَأَنْ لَا يَنْزِلَ وَادِيًا وَلَا يَشْتَرِيَ بِهِ ذَاتَ كَبِدٍ رَطْبَةٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَجَازَهُ » ، وَبُعِثَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَهُ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ . وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ ، وَلِأَنَّ لِلنَّاسِ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنْهُمُ الْغَنِيَّ الْغَبِيَّ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَالْفَقِيرَ الذَّكِيَّ الْعَارِفَ بِأَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ ، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى شَرْعِيَّتِهِ تَحْصِيلًا لِمَصْلَحَتِهَا . وَتَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ دَفَعْتُ هَذَا الْمَالَ إِلَيْكَ مُضَارَبَةً أَوْ مُقَارَضَةً أَوْ مُعَامَلَةً ، أَوْ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ فِيهِ عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَ الرِّبْحِ أَوْ ثُلُثَهُ ، أَوْ قَالَ : خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ وَاعْمَلْ بِهَا بِالنِّصْفِ أَوْ بِالثُّلُثِ اسْتِحْسَانًا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ صَارَ مَذْكُورًا بِذِكْرِ الْعَمَلِ ، وَالنِّصْفُ مَتَى ذُكِرَ عَقِيبَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يُرَادُ بِهِ النِّصْفُ مِنَ الرِّبْحِ عُرْفًا وَأَنَّهُ كَالْمَشْرُوطِ ، وَلَوْ قَالَ : خُذْ هَذَا الْمَالَ بِالنِّصْفِ كَانَ مُضَارَبَةً اسْتِحْسَانًا عَمَلًا بِالْعُرْفِ . وَشَرَائِطُهَا خَمْسَةٌ : أَحَدُهَا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالنَّقْدَيْنِ . الثَّانِي : إِعْلَامُ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ الْعَقْدِ ، إِمَّا بِالْإِشَارَةِ أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ ، وَيَكُونُ مُسَلَّمًا إِلَى الْمَضَارِبِ . الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا . الرَّابِعُ : إِعْلَامُ قَدْرِ الرِّبْحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا . الْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ لِلْمُضَارِبِ مِنَ الرِّبْحِ ، حَتَّى لَوْ شَرَطَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْهُمَا فَسَدَتْ عَلَى مَا يَأْتِيكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ : ( الْمُضَارِبُ شَرِيكُ رَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ ، وَرَأْسُ مَالِهِ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ ) ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكُهُ فِي الرِّبْحِ لَا يَكُونُ مُضَارَبَةً عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ : ( فَإِذَا سَلَّمَ رَأْسَ الْمَالِ إِلَيْهِ فَهُوَ أَمَانَةٌ ) ; لِأَنَّهُ قَبْضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ ( فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَهُوَ وَكِيلٌ ) ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ
الاختيار لتعليل المختار — صفحة 19 | عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي / محمود أبو دقيقة