وَهِيَ ثَلَاثُ ( ف ) رَكَعَاتٍ كَالْمَغْرِبِ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ ، وَيَقْرَأُ فِي جَمِيعِهَا ، وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ ( ف ) ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ ، ثُمَّ يَقْنُتُ ، وَلَا قُنُوتَ فِي غَيْرِهَا ( ف ) .
شرح
الْخَمْسِ أَلَا وَهِيَ الْوَتْرُ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا » وَالزِّيَادَةُ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ ، وَقَضِيَّتُهِ الْفَرْضِيَّةُ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ فَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : هِيَ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ » وَفِي رِوَايَةٍ : « وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ : الْوَتْرُ ، وَالضُّحَى ، وَالْأَضْحَى » ، قُلْنَا الْكِتَابَةُ هِيَ الْفَرْضُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } [ النساء : 103 ] أَيْ فَرْضًا مُوَقَّتًا ، وَيُقَالُ لِلْفَرَائِضَ الْمَكْتُوبَاتِ ، فَكَانَ نَفْيُ الْكِتَابَةِ نَفِيَ الْفَرْضِيَّةِ ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْفَرْضِيَّةِ بَلْ بِالْوُجُوبِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : « وَهِيَ لَكُمْ سُنَّةٌ » أَيْ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُنَّةٌ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهَا وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، وَهِيَ عِنْدَهُمَا أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ جَمِيعِ السُّنَنِ حَتَّى لَا تَجُوزَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَلَا عَلَى رَاحِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَتُقْضَى ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ .
قَالَ : ( وَهِيَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ كَالْمَغْرِبِ لَا يُسَلِّمُ بَيْنَهُنَّ ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ : « أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ » .
قَالَ : ( وَيَقْرَأُ فِي جَمِيعِهَا ) وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ بِهَا وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، هَكَذَا نَقَلَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَتْ فِي وُجُوبِهَا وَجَبَتِ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهَا احْتِيَاطًا . قَالَ : ( وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ) لِمَا رَوَيْنَا .
( وَيُكَبِّرُ ) لِمَا مَرَّ ( ثُمَّ يَقْنُتُ ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : « أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ الرُّكُوعِ » وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ ، وَعَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ « اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَاللَّهُمَّ اهْدِنَا » ، قَالْوا : وَمَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ غَيْرُ ذَلِكَ . وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الدُّعَاءَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مِرَارًا : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } [ البقرة : 201 ] الْآيَةَ . وَاخْتَارَ أَبُو اللَّيْثِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهُ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّخَعِيِّ ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ وُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ .
قَالَ : ( وَلَا قُنُوتَ فِي غَيْرِهَا ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : « مَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَّا شَهْرًا لَمْ يَقْنُتْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ » . وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : « أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ » . وَمَا رَوَى أَنَسٌ « أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ » ، مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِمَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : « قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ » ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ ، فَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْنُتُ يُتَابِعُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِئَلَّا يُخَالِفَ إِمَامَهُ . وَعِنْدَهُمَا لَا يُتَابِعُهُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ ،