وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَإِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ، وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ ، وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ .
شرح
وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ » وَيَوْمُ الْفِطْرِ مَأْمُورٌ بِإِفْطَارِهِ ، وَفِي صَوْمِهِ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ وَمُخَالَفَةُ الِاسْمِ ، وَعَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ .
قَالَ : ( وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ وَإِلَى نِصْفِ النَّهَارِ وَبِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنْيَةِ النَّفْلِ ) .
اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّوْمِ ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ يَصُومُ ، وَلَا يَخْلُو مُسْلِمٌ عَنْ هَذَا فِي لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَلَيْسَتِ النِّيَّةُ بِاللِّسَانِ شَرْطًا ، وَلَا خِلَافَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَالَ زُفَرُ : النِّيَّةُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ مُتَعَيِّنٌ لِعَدَمِ الْفَرْضِ فِي حَقِّهِ حَتَّى لَا يَجُوزَ غَيْرُهُ ، فَمَتَى حَصَلَ فِيهِ إِمْسَاكٌ وَقَعَ عَنْ فَرْضِ رَمَضَانَ لِصَوْمِ مُزَاحَمَةِ غَيْرِهِ ، فَصَارَ كَإِعْطَاءِ النِّصَابِ جَمِيعِهِ لِلْفَقِيرِ بَعْدَ الْحَوْلِ . وَلَنَا أَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ » وَلِمَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ قَدْ يَكُونُ لِلْعَادَةِ أَوْ لِعَدَمِ الِاشْتِهَاءِ أَوْ لِلْمَرَضِ أَوْ لِلرِّيَاضَةِ وَيَكُونُ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ لَهَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَأَدَاءِ الْخُمْسِ إِلَى الْفَقِيرِ ، بِخِلَافِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْمَشْرُوعَ فِيهِ لَا يَتَنَوَّعُ .
وَقَوْلُهُ : الزَّمَانُ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِ الْفَرْضِ . قُلْنَا : نَعَمْ ، لَكِنْ إِذَا حَصَلَ الصَّوْمُ فَلِمَ قُلْتُمْ : إِنَّهُ حَصَلَ ; غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ حَصَلَ الْإِمْسَاكُ وَقَدْ خَرَجَ جَوَابُهُ . وَأَمَّا هِبَةُ النِّصَابِ قُلْنَا : وُجِدَ مِنْهُ مَعْنَى النِّيَّةِ ، وَهُوَ الْقُرْبَةُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ بِهِ ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْمَوْهُوبِ لِلْفَقِيرِ لِحُصُولِ الثَّوَابِ بِهِ ، أَمَّا هُنَا حَصَلَ مُطْلَقُ الْإِمْسَاكِ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ ، وَلِهَذَا لَا يَكُونُ صَوْمًا خَارِجَ رَمَضَانَ .
وَرَوَى الْقُدُورِيُّ عَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ زُفَرَ وَقَالَ : إِنَّمَا مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ صَوْمَ الشَّهْرِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ شُهُودُ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ فَصَارَ كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ . وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِكُلِّ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ عَلَى حِدَةٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَسَدَ صَوْمُ يَوْمٍ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَاقِي ، وَكَذَا عَدَمُ الْأَهْلِيَّةِ فِي بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ تَقَرُّرَ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْبَاقِي فَتَجِبُ النِّيَّةُ لِكُلِّ عِبَادَةٍ ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ صَوْمِ الْيَوْمِ بِمَجِيءِ اللَّيْلَةِ . قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : « إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ » وَإِذَا خَرَجَ يَحْتَاجُ إِلَى الدُّخُولِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَيَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ كَأَوَّلِ الشَّهْرِ .
وَأَمَّا جَوَازُ الصَّوْمِ بِالنِّيَّةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ « أَنَّ النَّاسَ أَصْبَحُوا يَوْمَ الشَّكِّ ، فَقَدِمَ أَعْرَابِيٌّ وَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ " فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " اللَّهُ أَكْبَرُ ، يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدُهُمْ " فَصَامَ ، وَأَمَرَ بِالصِّيَامِ ،