الحافظ ابن حجر اسمه مستفهمًا ( لم تقنط الناس ) أي من رحمة الله ( قال ) ولأبي ذر فقال : ( وأنا أقدر أن أقنط الناس والله عز وجل يقول : ( { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ) [ الزمر : 53 ] ويقول : ( { وأن المسرفين } ) في الضلالة والطغيان كالإشراك وسفك الدماء ( { هم أصحاب النار } ) [ غافر : 43 ] أي مُلازموها ( ولكنكم ) وللأصيلي ولكن ( تحبون أن تبشروا بالجنة ) بفتح الموحدة والمعجمة مبنيًّا للمفعول ( على مساوي أعمالكم ، وإنما بعث الله محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مبشرًا بالجنة لمن أطاعه ومنذرًا ) بضم الميم وكسر المعجمة وللأصيلي وينذر بلفظ المضارع ( بالنار من ) ولأبي ذر عن المستملي : لمن ( عصاه ) .
4815 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ
اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ } [ غافر : 28 ] .
وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا الوليد بن مسلم ) الدمشقي قال : ( حدّثنا الأوزاعي ) عبد الرحمن ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( يحيى بن أبي كثير ) بالمثلثة صالح اليمامي الطائي ولأبي ذر والأصيلي عن يحيى بن أبي كثير قال : ( حدّثني ) بالإفراد ( محمد بن إبراهيم التيمي ) نسبة إلى تيم قريش المدني قال : ( حدّثني ) بالإفراد أيضًا ( عروة بن الزبير ) بن العوّام أنه ( قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : ما صنعه المشركون ( برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قال : بينا ) بغير ميم ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي بفناء الكعبة ) بكسر الفاء ( إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ) الأموي المقتول كافرًا بعد انصرافه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من بدر بيوم ( فأخذ بمنكب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بفتح الميم وكسر القاف ( ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا ) ولأبي ذر : فخنقه به خنقًا والنون من خنقًا ساكنة في الروايتين في اليونينية وفرعها ومكسورة في بعضها ( شديدًا ، فأقبل أبو بكر ) الصديق - رضي الله عنه - ( فأخذ بمنكبه ودفع ) عقبة ( عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال ) وللأصيلي ثم قال أي مستفهمًا استفهامًا إنكاريًا ( { أتقتلون رجلًا } ) كراهية ( { أن يقول ربي الله } ) أو لأن يقول ( { وقد جاءكم بالبينات من ربكم } ) [ غافر : 28 ] جملة حالية .
قال جعفر بن محمد : كان أبو بكر خيرًا من مؤمن آل فرعون لأنه كان يكتم إيمانه . وقال أبو بكر جهارًا : أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ، وقال غيره : إن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون لأن ذلك اقتصر حيث انتصر على اللسان ، وأما أبو بكر - رضي الله عنه - فاتبع اللسان يدًا ونصر بالقول والفعل محمدًا .
وهذا الحديث ذكره المؤلّف في مناقب أبي بكر ، وفي باب ما لقي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه من المشركين بمكة .
[ 41 ] سورة حم السَّجْدَةِ
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) وَقَالَ طَاوُسٌ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ { ائْتِيَا طَوْعًا } : أَعْطِيَا . { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } : أَعْطَيْنَا . وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ ، قَالَ : { فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } : . { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } ، { وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ وَقَالَ : { أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا } إِلَى قَوْلِهِ : { دَحَاهَا } فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَ : { أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } - إِلَى - { طَائِعِينَ } فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ
السَّمَاءِ وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } { عَزِيزًا حَكِيمًا } { سَمِيعًا بَصِيرًا } فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى ، فَقَالَ : { فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ } فِي النَّفْخَةِ الأُولَى ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ . ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الآخِرَةِ { أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } وَأَمَّا قَوْلُهُ : { مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } { وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ } فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلاَصِ ذُنُوبَهُمْ . وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ ، فَخَتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لاَ يُكْتَمُ حَدِيثًا ، وَعِنْدَهُ { يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } الآيَةَ وَخَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ ، وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ : { دَحَاهَا } وَقَوْلُهُ : { خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } فَجُعِلَتِ الأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا } سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلاَّ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ فَلاَ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
( [ 41 ] سورة حم السجدة )
مكية وآيها خمسون وثنتان أو ثلاث أو أربع ولأبي ذر : سورة حم السجدة ( بسم الله الرحمن الرحيم ) سقطت البسملة لغير أبي ذر ( وقال طاوس ) فيما وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط المؤلّف ( عن ابن عباس { ائتيا طوعًا } ) زاد أبو ذر والأصيلي { أو كرهًا } أي ( أعطيا ) بكسر الطاء ( { قالتا أتينا طائعين } ) [ فصلت : 11 ] أي ( أعطينا ) استشكل هذا التفسير لأن ائتيا وأتينا بالقصر من المجيء فكيف يفسر بالإعطاء وإنما يفسر به نحو قولك آتيت زيدًا مالًا بمد همزة القطع وهمزة ائتيا همزة وصل .
وأجيب : بأن ابن عباس ومجاهدًا وابن جبير قرؤوا آتيا قالتا آتينا بالمد فيهما وفيه وجهان . أحدهما : أنه من المؤاتاة وهي الموافقة أي لتوافق كلٍّ منهما الأخرى لما يليق بها وإليه ذهب الرازي والزمخشري فوزن آتيا فاعلًا كقاتلا وآتينا فاعلنا كقاتلنا ، والثاني : أنه من الإيتاء بمعنى الإعطاء فوزن آتيا افعلا كأكرما ووزن آتينا أفعلنا ككرمنا ، فعلى الأوّل يكون قد حذف مفعولًا ، وعلى الثاني مفعولين إذ التقدير أعطيا الطاعة من أنفسكما من أمركما : قالتا أتينا الطاعة وفي مجيء طائعين مجيء جمع المذكرين العقلاء وجهان . أحدهما : أن المراد بآتينا من فيهما من العقلاء وغيرهم فلذا غلب العقلاء على غيرهم . الثاني : أنه لما عاملهما معاملة العقلاء في الإخبار
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 325
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٣٢٥