عقب مقاتلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم مسيلمة الكذاب سنة إحدى عشرة بسبب ادعائه النبوّة وارتداد كثير من العرب وقتل كثير من الصحابة ( وعنده عمر ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ( فقال ) لي ( أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحرّ ) بسين مهملة ساكنة ففوقية ثم مهملة فراء مشددة مفتوحات أي اشتدّ وكثر ( يوم ) القتال الواقع في ( اليمامة بالناس ) قيل قتل بها من المسلمين ألف ومائة وقيل ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن أي مجموعهم لا إن كل فرد جمعه ( وإني أخشى أن يستحر القتل ) أي يكثر ( بالقراء في المواطن ) التي يقع فيها القتال مع الكفار ( فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن تجمع ) أنت ( القرآن ) ولأبي ذر : أن يجمع القرآن بضم أوّل يجمع مبنيًا للمفعول ( قال أبو بكر : قلت ) : ولأبي ذر فقلت ( لعمر : كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فقال ) لي ( عمر : هو ) أي جمع القرآن ( والله خير ) من تركه وهو ردّ لقوله كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنما لم يجمعه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما كان يترقبه من النسخ ( فلم يزل عمر يراجعني فيه ) في جمع القرآن ( حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر ) إذ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه وأذن فيه عليه الصلاة والسلام بقوله في حديث أبي سعيد عند مسلم : ( لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن ) وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق .
( قال زيد بن ثابت ) : قال أبو بكر ذلك ( وعمر عنده جالس لا يتكلم ) ولأبي ذر جالس عنده
( فقال ) ليس ( أبو بكر : إنك ) يا زيد ( رجل شاب ) أشار إلى نشاطه وقوّته فيما يطلب منه وبعده عن النسيان ( عاقل ) تعي المراد ( ولا نتهمك ) بكذب ولا نسيان والذي لا يتهم تركن النفس إليه وسقطت الواو لأبي ذر ( كنت تكتب الوحي لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي فهو أكثر ممارسة له من غيره فجمع هذه الخصوصيات الأربعة فيه يدل على أنه أولى بذلك ممن لم تجتمع فيه ( فتتبع القرآن فاجمعه ) وقد كان القرآن كله كتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور قال زيد : ( فوالله لو كلفني ) أي أبو بكر ( نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن ) قال ذلك خوفًا من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه ( قلت ) للعمرين ( كيف تفعلان شيئًا لم يفعله النبي ) ولأبي ذر رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فقال ) لي ( أبو بكر : هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر ) لما في ذلك من المصلحة العامة ( فقمت فتتبعت القرآن ) حال كوني ( أجمعه ) مما عندي وعند غيري ( من الرقاع ) بكسر الراء جمع رقعة من أديم أو ورق أو نحوهما ( والأكتاف ) بالمثناة الفوقية جمع كتف عظم عريض في أصل كتف الحيوان ينشف ويكتب فيه ( والعسب ) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة جمع عسيب وهو جريد النخل يكشطون خوصه ويكتبون في طرفه العريض ( وصدور الرجال ) الذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملاً في حياته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كأبيِّ بن كعب ومعاذ بن جبل فيكون ما في الرقاع والأكتاف وغيرهما تقريرًا على تقرير ( حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري ) هو ابن ثابت بن الفاكه الخطمي ذو الشهادتين ( لم أجدهما ) أي الآيتين ( مع أحد غيره ) كذا بالنصب على كشط في الفرع كأصله وفي فرع آخر غيره بالجر أي لم أجدهما مع غير خزيمة مكتوبتين فالمراد بالنفي نفي وجودهما مكتوبتين لا نفي كونهما محفوظتين .
وعند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما قالوا : وما هما ؟ قال : تلقيت من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ) إلى آخر السورة . فقال عثمان :
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 163
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص١٦٣