يصدر بين المتخاصمين وقيل كان اختلافًا في بعض قراءات القرآن ( فغدوت على ابن عباس فقلت ) له : ( أتريد أن تقاتل ابن الزبير ) بهمزة الاستفهام الإنكاري ( فتحل ) بالنصب وفي اليونينية فتحل بالرفع ( حرم الله ) ؟ وفي نسخة ما حرم الله أي من القتال في الحرم ( فقال ) أي ابن عباس ( معاذ الله ) أي أتعوّذ بالله عن إحلال ما حرم الله ( إن الله كتب ) أي قدر ( ابن الزبير وبني أمية محلين ) مبيحين القتال في الحرم . قال في فتح الباري : وإنما نسب ابن الزبير لذلك وإن كان بنو أمية هم الذين ابتدؤوه بالقتال وحصروه ، وإنما بدا منه أولاً دفعهم عن نفسه لأنه بعد أن ردهم الله عنه حصر بني هاشم ليبايعوه فشرع فيما يؤذن بإباحة القتال في المحرم ( إني ) أي قال ابن عباس وإني ( والله لا أحله ) أي القتال فيه ( أبدًا ) وإن قوتلت فيه .
قال ابن أبي مليكة بالإسناد السابق : ( قال ) ابن عباس ( قال الناس ) الذين من جهة ابن الزبير ( بايع ) بكسر التحتية والجزم على الأمر ( لابن الزبير ) بالخلافة . قال ابن عباس ( فقلت ) لهم : ( وأين بهذا الأمر عنه ؟ ) أي الخلافة يريد أنها ليست بعيدة عنه لما له من الشرف بأسلافه الذين ذكرهم بقوله ( أما أبوه فحواري النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بالحاء المهملة أي ناصره ( يريد ) بذلك ابن عباس ( الزبير وأما جده فصاحب الغار يريد ) بذلك ابن عباس ( أبا بكر ) الصديق - رضي الله عنه - ( وأما أمه فذات النطاق ) بالإفراد لأنها شقت نطاقها لسفرة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسقائه عند الهجرة ( يريد ) ابن عباس بذلك ( أسماء ) بنت أبي بكر ( وأما خالته فأم المؤمنين يريد ) ابن عباس ( عائشة ) - رضي الله عنها - ( وأما عمته فزوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بريد ) ابن عباس ( خديجة ) وأطلق عليها عمته تجوّزًا وإنما هي عمة أبيه لأنها خديجة بنت خويلد بن أسد والزبير هو ابن العوّام بن خويلد بن أسد ( وأما عمة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجدته ) أم أبيه ( يريد ) ابن عباس ( صفية ) بنت عبد المطلب ثم ذكر شرفه بصفته الذاتية الحميدة بقوله : ( ثم عفيف في الإسلام ) نزيه عما يشين من الرذائل ( قارئ للقرآن ) زاد ابن أبي خيثمة في تاريخه هنا وتركت بني عمي أي أذعنت لابن الزبير وتركت بني عمي بني أمية ( والله إن وصلوني ) أي بنو أمية ( وصلوني من قريب ) أي بسبب القرابة ، وذلك لأن عباسًا هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، فعبد المطلب ابن عم أمية جد مروان بن الحكم بن أبي العاص ، وهذا شكر من ابن عباس لبني أمية وعتب على ابن الزبير ( وإن ربوني ) أي كانوا عليّ أمراء ( ربوني ) بفتح الراء وضم الموحدة المشددة فيهما وهو في الثاني من باب أكلوني البراغيث ، وللكشميهني ربوني ربني ( أكفاء ) بالإفراد على الأصل ورفع أكفاء بسابقة أي أمثال واحدها كفء ( كرام ) في أحسابهم .
وعند أبي مخنف الأخباري من طريق أخرى أن ابن عباس لما حضرته الوفاة بالطائف جمع بنيه فقال : يا بني إن ابن الزبير لما خرج بمكة شددت أزره ودعوت الناس إلى بيعته وتركت بني عمنا من بني أمية الذين إن قتلونا أكفاء وإن ربونا ربونا كرامًا ، فلما أصاب ما أصاب جفاني فهذا صريح أن مراد ابن عباس بنو أمية لا بنو أسد رهط ابن الزبير ، وقال الأزرقي : كان ابن الزبير إذا دعا الناس في الإذن بدأ ببني أسد على بني هاشم وبني عبد المطلب وغيرهم ، فلذا قال ابن عباس : ( فآثر ) بالمد والمثلثة أي اختار ابن الزبير بعد أن أذعنت له وتركت بني عمي على ( التويتات ) جمع تويت مصغر توت بمثناتين وواو ( والأسامات ) بضم الهمزة جمع أسامة ( والحميدات ) بضم الحاء المهملة مصغر حمد ( يريد ) ابن عباس ( أبطنًا ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وضم الطاء المهملة جمع بطن وهو ما دون القبيلة وفوق الفخذ وقال : أبطنًا ولم يقل بطونًا لأن الأول جمع قلة فعبّر به تحقيرًا لهم ( من بني أسد بني تويت ) كذا في غير ما فرع من الفروع المقابلة على أصل اليونيني وكذا رأيتها فيه بني تويت . وقال الحافظ ابن حجر :
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 150
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص١٥٠