صاحب سر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في شأن المنافقين يعرفهم دون غيره .
( فقال أعرابي ) : لم يعرف اسمه ( إنكم أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بنصب أصحاب بدلاً من الضمير في إنكم أو منادى مضاف منه الأداة ( تخبرونا ) بسكون الخاء وبفتحها مع تشديد الموحدة وفي نسخة تخبروننا بنونين على الأصل لأن النون لا تحذف إلا لناصب أو جازم والأولى لغة فصيحة لبعض العرب وزاد الإسماعيلي عن أشياء ( فلا ندري فما بال هؤلاء الذين يبقرون ) بمثناة تحتية مفتوحة فموحدة ساكنة فقاف مضمومة وفي رواية غير أبي ذر يبقرون بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد القاف مكسورة أي يفتحون أو ينقبون ( بيوتنا ) وفي نسخة : ينقرون بالنون الساكنة بدل الموحدة وضم القاف ( ويسرقون أعلاقنا ) ؟ بالعين المهملة والقاف أي نفائس أموالنا ، وفي بعض
النسخ أغلاقنا بالمعجمة وكذا وجد مضبوطًا بخط الحافظ الشرف الدمياطي ، لكن قال السفاقسي : لا أعلم له وجهًا . قال في فتح الباري : ويمكن توجيهه بأن الإغلاق جمع غلق بفتحتين وهو ما يغلق ويفتح بالمفتاح ، والغلق أيضًا الباب فالمعنى يسرقون مفاتيح الإغلاق ويفتحون الأبواب ويأخذون ما فيها ، أو المعنى يسرقون الأبواب وتكون السرقة كناية عن قلعها وأخذها ليتمكنوا من الدخول فيها .
( قال ) حذيفة ( أولئك ) أي الذين يبقرون ويسرقون ( الفساق ) أي لا الكفار ولا المنافقون ( أجل ) أي نعم ( لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير ) لم يعرف اسمه ( لو شرب الماء البارد لما وجد برده ) لذهاب شهوته وفساد معدته بسبب عقوبة الله له في الدنيا فلا يفرق بين الأشياء .
6 - باب قَوْلِهِ : { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
( باب قوله ) عز وجل ( { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقولها في سبيل الله } ) والذين بالواو استئنافية مبتدأ ضمن معنى الشرط ودخلت الفاء في خبره وهو قوله : ( { فبشرهم بعذاب أليم } ) [ التوبة : 34 ] لذلك ووحد الضمير والسابق شيئان الذهب والفضة لأنه يعود على المكنوزات وهي أعم من النقدين أو عودًا إلى الفضة لأنها أقرب مذكور ، واكتفى ببيان حال صاحبها عن بيان حال صاحب الذهب ، أو لأن الفضة أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب وتخصيصهما بالذكر مع أن غيرهما إن لم تؤد زكاته كأموال التجارة يعذب صاحبه لكونهما ثمنًا له في الغالب ، وأصل الكنز الجمع وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز ، وأكثر علماء الصحابة على أن الكنز المذموم هو المال الذي لا تؤدى زكاته .
وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض ، وقيل : المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم وإن أديت زكاته ، واستدلّ له بعموم اللفظ ، وقوله عليه الصلاة والسلام المروي في حديث علي عند عبد الرزاق ولفظه عن عليّ في قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة } الآية قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " تبًّا للذهب تبًّا للفضة " يقولها ثلاثًا . قال : فشق ذلك على أصحابه وقالوا : فأي مال نتخذ ؟ فقال عمر - رضي الله عنه - : أنا أعلم لكم ذلك فقال : يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم ذلك وقالوا : فأي المال نتخذ ؟ قال : " لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وزوجة تعين أحدكم على دينه " ويمكن أن يجاب بحمل ذلك على ترك الأولى لا أنه يعذب الإنسان على مال جمعه من حل وأخرج عنه حق الله تعالى ، وقد قال عليه الصلاة والسلام " نعم المال الصالح للرجل الصالح " وسقط باب قوله لغير أبي ذر .
4659 - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ
الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ » .
وبه قال : ( حدّثنا الحكم بن نافع ) أبو اليمان الحمصي قال : ( أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة قال : ( حدّثنا أبو الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( أن عبد الرحمن ) بن هرمز ( الأعرج حدثه أنه قال : حدّثني ) بالإفراد ( أبو هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ) :
( يكون كنز أحدكم ) بالكاف كذا في الفرع كأصله وغيرهما وفي نسخة مكنز أحدهم ( يوم القيامة شجاعًا أقرع ) أي حيّة تمعط جلد رأسها لكثرة السم
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 145
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص١٤٥