التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه في : الجنائز ، والأحكام ومسلم في : الجنائز ، وكذا أبو داود ، والترمذي والنسائي .
33 - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ »
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ » .
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها - { ولاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
وَهُوَ كَقَوْلِهِ : { وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } - ذُنُوبًا - { إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ } وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا » وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ .
( باب قول النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فيما وصله المؤلّف في الباب عن ابن عباس عن عمر .
( يعذب الميت ببعض بكاء أهله ) المتضمن للنوح المنهي عنه ( عليه ) وليس المراد مع العين لجوازه ، وإنما المراد البكاء الذي يتبعه الندب والنوح ، فإن ذلك إذا اجتمع سمي بكاء .
قال الخليل : من قصر البكاء ذهب به إلى معنى الحزن ، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصوت ، وقيده بالبعضية تنبيهًا على أن حديث ابن عمر المطلق محمول على حديث ابن عباس عن عمر الآتي كل منهما إن شاء الله تعالى في هذا الباب .
( إذا كان ) الميت في حال حياته راضيًا بذلك ، بأن يكون ( النوح من سنته ) بضم السين وتشديد النون ، أي من طريقته وعادته .
وأما قول الزركشي هذا منه أي : من المؤلّف ، حمل للنهي عن ذلك ، أي : أنه يوصي بذلك ، فيعذب بفعل نفسه ، فتعقبه صاحب مصابيح الجامع : بأن الظاهر أن البخاري لا يعني الوصية ، وإنما يعني العادة . وعليه يدل قوله : من سنته ، إذ السنة الطريقة والسيرة يعني : إذا كان الميت قد عود أهله أن يبكوا على من يفقدونه في حياته وينوحوا عليه بما لا يجوز . وأقرّهم على ذلك ، فهو داخل في الوعيد ، وإن لم يوص . فإن أوصى فهو أشد انتهى .
وليس قوله : إذا كان النوح من سنته من المرفوع ، بل هو من كلام المؤلّف ، قاله تفقهًا ( لقول الله تعالى ) : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } ( { قُوا أَنفُسَكُمْ } ) بترك المعاصي الشاملة للنوح وغيره ( { وأهليكم نارًا } ) [ التحريم : 6 ] بالنصح والتأديب لهم ، فمن علم أن لأهله عادة بفعل منكر من نوح أو غيره ، وأهمل نهيهم عنه ، فما وقى أهله ولا نفسه من النار .
( وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مما تقدّم موصولاً في حديث ابن عمر في الجمعة : ( كلكم راع ومسؤول عن رعيته ) . فمن ناح ما رعى نفسه ولا رعيته الذين هم أهله لأنهم يقتدون به في سنته .
( فإذا لم يكن من سنته ) النوح ، كمن لا شعور عنده ، بأنهم يفعلون شيئًا من ذلك ، أو أدّى ما عليه بأن نهاهم ( فهو كما قالت عائشة ، رضي الله عنها ) مستدلة لما أنكرت على عمر ، رضي الله عنه ، حديثه المرفوع الآتي إن شاء الله تعالى قريبًا : " إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه " بقوله تعالى : ( { ولا تزر } ) سقطت الواو ، من : ولا تزر لغير أبي ذر ، لا تحمل ( { وازرة } ) نفس آثمة ( { وزر } )
نفس ( { أخرى } ) [ الأنعام : 164 والإسراء : 15 وفاطر : 18 والزمر : 7 ] والجملة جواب إذا المتضمنة معنى الشرط ، والحاصل أنه : إذا لم يكن من سنته ، فلا شيء عليه ، كقول عائشة . فالكاف للتشبيه ، وما مصدرية ، أي : كقول عائشة .
( وهو ) أي : ما استدلت به عائشة من قوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ( كقوله : { وإن تدع مثقلة - ذنوبًا - إلى حملها } ) وليست : ذنوبًا ، من التلاوة ، وإنما هو في تفسير مجاهد ، فنقله المصنف عنه ؛ والمعنى : وإن تدع نفس أثقلتها أوزارها أحدًا من الآحاد إلى أن يحمل بعض ما عليها ( { ولا يحمل منه } ) أي : من وزره ( { شيء } ) [ فاطر : 18 ] وأما قوله تعالى : { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم } [ العنكبوت : 13 ] ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم ، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم ، وهذه الجملة من قوله ، وهو كقوله : { وإن تدع مثقلة } وقعت في رواية أبي ذر وحده ، كما أفاده في الفتح .
ثم عطف المؤلّف على أول الترجمة قوله : ( وما يرخص من البكاء ) في المصيبة ( من غير نوح ) .
وهو حديث أخرجه ابن أبي شيبة ، والطبراني ، وصححه الحاكم . لكن ليس على شرط المؤلّف ، ولذا اكتفى بالإشارة إليه ، واستغنى عنه بأحاديث الباب الدالة على مقتضاه .
( وقال النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مما وصله المؤلّف في : الدّيات وغيرها ، من جملة حديث لابن مسعود :
( لا تقتل نفس ظلمًا ) أي : من حيث الظلم ( إلا كان على ابن آدم الأول ) قابيل الذي قتل هابيل ظلمًا وحسدًا ( كفل ) أي : نصيب ( من دمها ) .
( وذلك ) أي : كون الكفل على ابن آدم الأول ( لأنه أول من سن القتل ) ظلمًا ، أي فكذلك من كانت طريقته النوح على الميت ، لأنه سنّ النياحة في أهله ، وفيه
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 400
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٤٠٠