يا أمة الله .
( اتقي الله واصبري ) قال الطيبي : أي : خافي غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي ، ليحصل لك الثواب .
( قالت : إليك عني ) أي : تنح وابعد ، فهو من أسماء الأفعال : ( فإنك لم تصب بمصيبتي ) بضم المثناة الفوقية ، وفتح الصاد في تصب مبنيًّا للمفعول ، وعند المصنف في الأحكام ، من وجه آخر عن شعبة : فإنك خلو من مصيبتي ، بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام ، خاطبته بذلك ( و ) الحال أنها ( لم تعرفه ) إذ لو عرفته لم تخاطبه بهذا الخطاب . ( فقيل لها : ) وللحموي ، وللمستملي : لم تصب بمصيبتي فقيل لها ( إنه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) وعند المؤلّف في الأحكام : فأمر بها رجل ، فقال لها : إنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وفي رواية أبي يعلى ، من حديث أبي هريرة قال : فهل تعرفينه ، قالت له : لا .
وللطبراني في الأوسط ، من طريق عطية ، عن أنس : إن الذي سألها هو الفضل بن العباس ، وزاد مسلم في رواية له : فأخذها مثل الموت ، أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنما اشتبه عليها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء ، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء .
( فأتت ) باب ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلم تجد عنده بوابين ) يمنعون الناس من الدخول عليه ، وفي رواية الأحكام بوابًا بالإفراد .
فإن قلت : ما فائدة هذه الجملة ؟ أجاب شارح المسماة . بأنه لما قيل لها إنه النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها ، فتصورت أنه مثل الملوك له حاجب أو بوّاب يمنع الناس من الوصول إليه ، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوّرته .
( فقالت ) معتذرة عما سبق منها ، حيث قالت : إليك عني : ( لم أعرفك ) فاعذرني من تلك الردة وخشونتها ( فقال ) لها عليه الصلاة والسلام :
( إنما الصبر ) الكامل ( عند الصدمة الأولى ) الواردة على القلب ، أي : دعي الاعتذار فإن من شيمتي أن لا أغضب إلا لله ، وانظري ، إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثواب بالجزع ، وعدم الصبر أوّل فجأة المصيبة ، فاغتفر لها عليه الصلاة والسلام تلك الجفوة لصدورها منها في حال مصيبتها ، وعدم معرفتها به ، وبين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال ، فهو الذي يترتب عليه الثواب بخلاف ما بعد ذلك ، فإنه على طول الأيام يسلو . كما يقع لكثير من أهل المصائب ، بخلاف أوّل وقوع المصيبة ، فإنه يصدم القلب بغتة
وقد قيل : إن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه ، وإنما يؤجر على حسن نيته ، وجميل صبره . ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى ، في موضعه .
فإن قلت : من أين تؤخذ مطابقة الحديث للترجمة ؟ أجيب : من حيث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميتها ، وإنما أمرها بالصبر والتقوى ، لما رأى من جزعها ، فدلّ على الجواز ، واستدلّ به على زيارة القبور ، سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة ، وسواء كان المزور مسلمًا أو كافرًا لعدم الاستفصال في ذلك .
قال النووي : وبالجواز قطع الجمهور ، وقال صاحب الحاوي ، أي : الماوردي : لا تجوز زيارة قبر الكافر وهو غلط . اه - . وحجة الماوردي قوله تعالى : { وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } [ التوبة : 84 ] وفي الاستدلال بذلك نظر لا يخفى .
وبالجملة : فتستحب زيارة قبور المسلمين للرجال ، لحديث مسلم : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة " .
وسئل مالك عن زيارة القبور فقال : قد كان نهى عنه ، ثم أذن فيه ، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرًا لم أبي بذلك بأسًا .
وعن طاوس : كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميت سبعة أيام ، لأنهم يفتنون ويحاسبون في قبورهم ، سبعة أيام .
وتكره للنساء لجزعهن ، وأما حديث أبي هريرة المروي عند الترمذي ، وقال حسن صحيح : " لعن الله زوّارات القبور " ، فمحمول على ما إذا كانت زيارتهن للتعديد والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن ، قال القرطبي : وحمل بعضهم حديث الترمذي في المنع على من تكثر الزيارة لأن زوارات للمبالغة . اه - .
ولو قيل بالحرمة في حقهن ، في هذا الزمان ، لا سيما نساء مصر ، لما بعد لما في خروجهن من الفساد ، ولا يكره لهن زيارة قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، بل تندب وينبغي كما قال ابن الرفعة ، والقمولي ، أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك .
وفي الحديث :
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 399
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٣٩٩