لِمَ لا يكون المراد من الترجمة جواز التسبيح والحمد مطلقًا في الجملة من غير تقييد بتنبيه ، وتحصل المطابقة بين الترجمة وما ساقه من الحديث ، ويكون التسبيح مقيسًا على الحمد ، والحديث مخصصًا لعموم قوله في الترجمة السابقة ، حيث قال : باب ما ينهى من الكلام في الصلاة ؟
فالجواب : لعلهم إنما حملوا هذه الترجمة على ما ذكر لقوله بعد ، باب : التصفيق للنساء ، إذ مقابله التسبيح ، وهما كما وقع التصريح به من الشارع عليه الصلاة والسلام لمن نابه شيء في صلاته .
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في سبعة مواضع ، وترجم في كل منها بما يناسبه .
4 - باب مَنْ سَمَّى قَوْمًا أَوْ سَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى غَيْرِهِ مُوَاجَهَةً وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ
( باب ) حكم ( من سمى قومًا ) في الصلاة ( أو سلم في الصلاة على غيره مواجهة ) بفتح الجيم والنصب على المصدرية ( وهو ) أي والحال أن السلم ( لا يعلم ) حكم ذلك إبطالاً وصحة . هل يكون حكمه حكم العامد ، أو حكم الناسي ؟
وقد ثبتت لفظة : مواجهة ، للحموي والكشميهني ، وعزاها في الفتح لكريمة ، وسقطت لأبي الوقت ، والأصيلي وابن عساكر ، وحكى ابن رشيد إسقاط هاء غيره ، وإضافة : مواجهة ، عن رواية أبي ذر ، عن الحموي . وللكرماني حكاية رواية أخرى ، وهي على غير مواجهة بلفظ اسم الفاعل المضاف إلى الضمير ، وإضافة الغير إليه .
1202 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ : " كُنَّا نَقُولُ : التَّحِيَّةُ فِي الصَّلاَةِ وَنُسَمِّي وَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ . فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " .
وبه قال : ( حدّثنا عمرو بن عيسى ) بسكون الميم الضبعي بضم المعجمة قال : ( حدّثنا أبو عبد الصمد ) زاد الهروي : العمي ، بفتح العين المهملة وتشديد الميم ، هو ( عبد العزيز بن عبد الصمد )
البصري ، وذكره بكنيته ، ثم باسمه ، قال : ( حدّثنا حصين بن عبد الرحمن ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ( عن أبي وائل ) شقيق بن سلمة ( عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال ) :
( كنا نقول التحية ) بالإفراد ، والرفع ، مبتدأ خبره ( في الصلاة ) ويروى : التحية ، بالنصب مفعول نقول .
واستشكل من حيث أن مقول القول لا بد أن يكون جملة ، وقوله : التحية مفرد .
وأجيب : بأنه في حكم الجملة ، لأنه عبارة عن قولهم : السلام على فلان ، كقولهم : قلت قصة ، وقلت خبرًا .
( ونسمي ) أي : نقول السلام على جبريل وميكائيل ، كما في حديث : باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ( ويسلم بعضنا على بعض ) في حديث باب : ما ينهى من الكلام ، السابق قريبًا : كنا نسلم على النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو في الصلاة فيرد علينا ، وهو في الصلاة . . . الحديث .
وكان ابن مسعود قد هاجر إلى الحبشة ، وعهده وعهد أصحابه أن الكلام في الصلاة جائز ، فوقع النسخ في غيبتهم ولم يبلغهم ، فلما قدموا فعلوا العادة في أول صلاة صلوها معه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فلما سلم نهاهم في المستقبل ، وعذرهم لغيبتهم وجهلهم بالحكم ، فلم يلزمهم الإعادة . مع أن إمكان العلم كان يتأتى في حقهم بأن يسألوا قبل الصلاة : أحدث أمر أم لا ؟
وبهذا إيجاب عن استشكال المطابقة بين الحديث والترجمة . وقال في المصابيح : إنه الجواب الصحيح .
( فسمعه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي : ما ذكر من تسميتهم وتسليمهم ( فقال ) :
( قولوا التحيات ) أي : أنواع التعظيم ( لله ) المتفضل بها ( والصلوات ) : الدعاء ، أو الخمس المعروفة وغيرها ، أو الرحمة ( والطيبات ) ما طاب من الكلام وحسن ، ومعناه أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى ، لا تصلح حقيقتها لغيره ، ( السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) أي : السلام الذي وجه إلى الأنبياء المتقدمة ، موجه إليك أيها النبي ، والسلام الذي وجه إلى الأمم السابقة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا . فالتعريف للعهد التقريري ، قاله الطيبي ، وقيل غير ذلك .
وقوله : وعلى عباد الله الصالحين ، بعد قوله : السلام علينا ، من ذكر الخاص بعد العام .
( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ) . أمرهم بإفراد السلام عليه بالذكر ، لشرفه ومزيد حقه عليهم ، وتخصيص أنفسهم . فإن الاعتمام بها أهم ، ثم اتبعه بشهادة التوحيد لله ، والرسالة لنبيه عليه الصلاة والسلام ، لأنه منبع الخيرات وأساس الكمالات .
ثم قال : ( فإنكم إِنْ فعلتم ذلك ) أي قلتم ما ذكر ( فقد سلمتم على كل عبد لله صالح ) بالجر ، صفة لعبد ، وما بينهما اعتراض ( في السماء والأرض ) من ملك أو مؤمن .
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي ، وفيه : التحديث والعنعنة والقول ، وشيخ المؤلّف
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 352
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٣٥٢