بالتراب
وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى عنه ، ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة على
خصوصية التيمم بالتراب فقال : تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره . وأجيب بأنه ورد في
الحديث المذكور بلفظ التراب ورواه ابن خزيمة وغيره ، وفي حديث علي عند أحمد والبيهقي بإسناد
حسن وجعل التراب لي طهورًا .
( فأيما رجل ) كائن ( من أمتي أدركته الصلاة ) جملة في موضع جر صفة لرجل وأي مبتدأ معنى
الشرط زيد عليها ما لزيادة التعميم ورجل مضاف إليه ، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي : فأيما
رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهورًاً ومسجدًا ، وعند أحمد فعنده طهوره
ومسجده ، ( فليصل ) خبر المبتدأ أي بعد أن يتيمم أو حيث أدركته الصلاة ، ( وأحلت لي الغنائم ) جمع
غنيمة وهي ما حصل من الكفار بقهر ، وللكشميهني كمسلم المغانم بميم قبل الغين ( ولم تحل لأحد
قبلي ) لأن منهم من لم يؤذن له في الجهاد أصلاً ، فلم يكن له مغانم ، ومنهم من أذن له فيه لكن
كانت الغنيمة حرامًا عليهم بل تجيء نار تحرقها . ( وأعطيت الشفاعة ) العظمى أو لخروج من في قلبه
مثقال ذرة من إيمان أو التي لأهل الصغائر والكبائر أو من ليس له عمل صالح إلا التوحيد ، أو لرفع
الدرجات في الجنة ، أو في إدخال قوم الجنة بلا حساب ، ( وكان النبي ) غيري ( يبعث إلى قومه )
المبعوث إليهم ( خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر
وفي رواية أبي هريرة عند مسلم : وأرسلت إلى الخلق كافة وهي أصرح الروايات وأشملها وهي
مؤيدة لمن ذهب إلى إرساله عليه الصلاة والسلام إلى الملائكة كظاهر آية الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا .
ورواة هذا الحديث الستة ما بين بصري وواسطي وبغدادي وكوفي ، وفيه التحديث والتحويل
من سند إلى آخر ، وأخرجه أيضًا في الصلاة ببعضه وكذا مسلم والنسائي في الطهارة والصلاة .
2 - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلاَ تُرَابًا
( باب إذا لم يجد ماء ) للطهارة ( ولا ترابًا ) للتيمم بأن كان في سفينة لا يصل إلى الماء أو مسجونًا
بكنيف نجسة أرضه وجداره هل يصلي أم لا .
336 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلاً ، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ . فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا ، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا .
وبالسند قال : ( حدّثنا زكريا بن يحيى ) هو ابن صالح اللؤلؤي البلخي ، المتوفى سنة ثلاثين
ومائتين كما مال إليه الغساني والكلاباذي ، أو هو زكريا بن يحيى بن عمر الطائي الكوفي أبو السكين
بضم المهملة وفتح الكاف المتوفى سنة إحدى وخمسين ومائتين ( قال : حدّثنا عبد الله بن نمير ) بضم
النون الكوفي ( قال : حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه ) عروة بن الزبير ( عن عائشة ) رضي الله عنها .
( أنها استعارت من ) أختها ( أسماء ) ذات النطاقين ( قلادة ) بكسر القاف ( فهلكت ) أي ضاعت
( فبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلاً ) هو أسيد بن حضير ( فوجدها ) أي القلادة ولا منافاة بينه وبين قوله في
الرواية السابقة ، فأصبنا العقد تحت البعير لأن لفظ أصبنا عام شامل لعائشة وللرجل ، فإذا وجد
الرجل بعد رجوعه صدق قوله أصبنا أو أن النبي - صى الله عليه وسلم - هو الذي وجده بعد ما بعث ، ( فأدركتهم
الصلاة وليس معهم ماء فصلّوا ) أي بغير وضوء كما صرح به مسلم كالبخاري في سورة النساء في
فضل عائشة ، واستدل به على أن فاقد الطهورين يصلي على حاله وهو وجه المطابقة بين الترجمة
والحديث ، فكأن المصنف نزل فقد مشروعية التيمم منزلة فقد التراب بعد مشروعية التيمم فكأنه
يقول : حكمهم في عدم المطهر الذي هو الماء خاصة كحكمنا في عدم المطهرين الماء والتراب ، ففيه
دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين لأنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك ، ولو كانت الصلاة
حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم الشارع عليه الصلاة والسلام ، وبهذا قال الشافعي وأحمد وجمهور المحدثين
وأكثر أصحاب مالك ، لكن اختلفوا في وجوب الإعادة فنص الشافعي في الجديد على وجوبها إذا
وجد أحد الطهورين ، وصححه أكثر أصحابه محتجين بأنه عذر نادر فلم تسقط الإعادة ، وفي القديم
أقوال : أحدها : يندب له الفعل ، والثاني يحرم ويعيد وجوبًا عليهما ، والثالث يجب ولا يعيد ، حكاه
في أصل الروضة ، واختاره في شرح المهذب لأنه أذى وظيفة الوقت ، وإنما يجب القضاء بأمر جديد
ولم
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري — صفحة 368
مساهمون: أحمد بن محمد القسطلاني
ص٣٦٨