تَكَلَّفَهُ مُتَأَخِّرُو الشُّعَرَاءِ وَالْخُطَبَاءِ ، وَالْمُتَرَسِّلِينَ وَالْوُعَّاظِ ، فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ دَأْبِ خُطَبَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَالْفُصَحَاءِ مِنْهُمْ ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَهْتَمُّ بِهِ ( 1 ) الْعَرَبُ .
وَغَالِبُ مَنْ يَعْتَمِدُ ذَلِكَ يُزَخْرِفُ اللَّفْظَ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ مَطْلُوبَةٍ مِنَ الْمَعَانِي ، كَالْمُجَاهِدِ الَّذِي يُزَخْرِفُ السِّلَاحَ وَهُوَ جَبَانٌ .
وَلِهَذَا يُوجِدُ الشَّاعِرُ ، كُلَّمَا أَمْعَنَ فِي الْمَدْحِ وَالْهَجْوِ ، خَرَجَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْإِفْرَاطِ فِي الْكَذِبِ ، يَسْتَعِينُ بِالتَّخَيُّلَاتِ وَالتَّمْثِيلَاتِ ( 2 ) .
وَأَيْضًا فَأَكْثَرُ الْخُطَبِ الَّتِي يَنْقُلُهَا صَاحِبُ " نَهْجِ الْبَلَاغَةِ " كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَجَلُّ وَأَعْلَى قَدْرًا مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِذَلِكَ الْكَلَامِ ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ وَضَعُوا أَكَاذِيبَ وَظَنُّوا أَنَّهَا مَدْحٌ ، فَلَا هِيَ صِدْقٌ وَلَا هِيَ مَدْحٌ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّ كَلَامَ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ فَوْقَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ ، فَقَدْ أَخْطَأَ . وَكَلَامُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوْقَ كَلَامِهِ ، وَكِلَاهُمَا مَخْلُوقٌ .
وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ كَلَامِ ابْنِ سَبْعِينَ الَّذِي يَقُولُ : هَذَا كَلَامُ بَشِيرٍ ( 3 ) يُشْبِهُ بِوَجْهٍ مَا كَلَامَ الْبَشَرِ ، وَهَذَا يَنْزِعُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ كَلَامَ اللَّهِ مَا فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُسْلِمِينَ .
وَأَيْضًا فَالْمَعَانِي الصَّحِيحَةُ الَّتِي تُوجَدُ فِي كَلَامِ عَلِيٍّ مَوْجُودَةٌ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ ، لَكِنَّ صَاحِبَ " نَهْجِ الْبَلَاغَةِ " وَأَمْثَالَهُ أَخَذُوا كَثِيرًا مِنْ كَلَامِ النَّاسِ
هامش
( 1 ) م : مِمَّا يُتَّهَمُ بِهِ . . .
( 2 ) ب : أَوِ التَّمْثِيلَاتِ .
( 3 ) م : تَبْشِيرٍ ، ب : بَشَرٍ .